صفحة جزء
[ ص: 3601 ] باب رؤية الله تعالى

الفصل الأول

5655 - عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إنكم سترون ربكم عيانا " . وفي رواية قال : كنا جلوسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . متفق عليه .


[ 6 ] - باب رؤية الله تعالى

من باب إضافة المصدر إلى مفعوله .

الفصل الأول

5655 - ( عن جرير بن عبد الله ) أي البجلي ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : ( إنكم ) أي أيها المؤمنون ( سترون ربكم ) أي ستبصرونه فقوله : ( عيانا ) بالكسر مصدر مؤكد أو حال مؤكدة إما من الفاعل أو المفعول ، أي معاينين - بكسر الياء ، أو معاينا - بفتح الياء ، والمعاينة رفع الحجاب بين الرائي والمرئي ، ففي القاموس : لقيه عيانا أي معاينة لم يشك في رؤيته إياه . وقال الطيبي - رحمه الله - : عيانا أي جهارا ، ويجوز أن يكون من العين المحسوسة بالعين الظاهرة ، وقال النووي - رحمه الله - : اعلم أن مذهب أهل السنة قاطبة أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا ، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة أي نقلا وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين ، وزعمت طوائف من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه ، وأن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ، ورواها نحو عشرين صحابيا - رضي الله تعالى عنهم - عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وآيات القرآن فيها مشهورة ، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مسطورة في كتب المتكلمين من أهل السنة . وأما رؤية الله تعالى في الدنيا ، ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم من أنها تقع في الدنيا .

وحكى الإمام أبو القاسم القشيري - رحمه الله - تعالى في رسالته المعروفة ، عن الإمام أبي بكر بن فورك أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري - رحمه الله - أحدهما : وقوعها ، والثاني : لا تقع ، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ، ولا يشترط فيها الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك ، ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على وجه الاتفاق ، لا على سبيل الاشتراط ، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية ، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة له تعالى عن ذلك ، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة . قلت : كما يرانا هو لا في جهة ولا مقابلة ولا غير ذلك ، والحاصل أنه لا يقاس الغائب بالشاهد ، لا سيما الخالق بالمخلوق ؛ ولذا قيل : لا يقاس الملوك بالحدادين .

( وفي رواية ) أي عن جرير ( قال : كنا جلوسا ) أي جالسين ( عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فنظر إلى القمر ليلة البدر ) قال الأكمل : أي البدر الكامل ، وسمي ليلة أربعة عشر بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع ، ( فقال : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ) أي : المحسوس المشاهد المرئي ثم استأنف وقال أو ذكر على سبيل بيان الحال ( لا تضامون ) بضم التاء وتخفيف الميم ، من الضيم وهو الظلم . قال الحافظ ابن حجر : وهو الأكثر أي لا يظلم بعضكم بعضا بالتكذيب والإنكار ، وفي نسخة : بفتح التاء وتشديد الميم ، من التضامن بمعنى التزاحم ، وفي أخرى بالضم والتشديد من المضامة ، وهي المزاحمة ، وهو حينئذ يحتمل كونه للفاعل والمفعول ، وحاصل معنى الكل : لا تشكون ( في رؤيته ) أي في رؤية القمر ليلة البدر . قال في جامع الأصول : قد يخيل إلى بعض السامعين أن الكاف في قوله : " كما ترون " كاف التشبيه للمرئي ، وإنما هو كاف التشبيه للرؤية ، وهو فعل الرائي ، ومعناه : ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك ، كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه ولا تمترون . قال : ولا تضامون ، روي بتخفيف الميم من الضيم : الظلم ، المعنى أنكم ترونه جميعكم لا

[ ص: 3602 ] يظلم بعضكم بعضا في رؤيته ، فيراه البعض دون البعض ، وبتشديد الميم من الانضمام بمعنى الازدحام أي لا يزدحم بعضكم بعضا في رؤيته ، ولا يضم بعضكم إلى بعض من ضيق ، كما يجري عند رؤية الهلال مثلا دون رؤية القمر ، فإنه يراه كل منكم موسعا عليه منفردا به ، ( فإن استطعتم أن لا تغلبوا ) بصيغة المجهول أي لا تصيروا مغلوبين ( على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) أي ما ذكر من الاستطاعة أو عدم المغلوبية . قال القاضي - رحمه الله - : ترتيب قوله : إن استطعتم على قوله : سترون بالفاء ، يدل على أن المواظب على إقامة الصلوات والمحافظ عليها خليق بأن يرى ربه ، وقوله : لا تغلبوا معناه لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر ، وإنما خصهما بالحث لما في الصبح من ميل النفس إلى الاستراحة والنوم ، وفي العصر من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات ، فمن يلحقه فترة في الصلاتين مع ما لهما من قوة المانع ، فبالحري أن لا تلحقه في غيرهما ، والله تعالى أعلم .

( ثم قرأ ) أي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - استشهادا أو جرير اعتقادا وسبح ، بالعطف على ما قبله وهو قوله سبحانه : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أي وصل في هذين الوقتين ، وعبر عن الكل بالجزء ، وهو التسبيح المراد به الثناء في الافتتاح المقرون بحمد الرب المشتمل عليه سورة الفاتحة ، ويدل على هذا المعنى ما بعده وهو قوله : ومن آناء الليل أي ساعاته وهو العشاءان فسبح وأطراف النهار أي طرفيه وهو وسطه يعني الظهر لعلك ترضى بالفتح والضم أي على رجاء أن تكون راضيا أو مرضيا أو جمعا مثبتا ، أو المراد بالتسبيح تنزيه الرب عن الشريك ونحوه من صفات النقصان والزوال والحدوث والانتقال ، والمراد بحمده ثناء الكمال بنعت الجمال ووصف الجلال . ( متفق عليه ) . وفي الجامع : رواه أحمد والشيخان والأربعة عنه ، لكن بغير قراءة الآية .

التالي السابق


الخدمات العلمية