صفحة جزء
[ ص: 135 ] [ 2 ] باب في الوسوسة

الفصل الأول

63 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ، ما لم تعمل به ، أو تتكلم " متفق عليه .


[ 2 ] باب في الوسوسة

الخواطر إن كانت تدعو إلى الرذائل فهي وسوسة ، وإن كانت إلى الفضائل فهي إلهام ، والأصح أنه ليس بحجة من غير المعصوم ؛ لأنه لا ثقة بخواطره .

الفصل الأول

63 - ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله تجاوز ) أي : عفا ( عن أمتي ) أي : أمة الإجابة ، وفي رواية : تجاوز لي عن أمتي ، أي : لم يؤاخذهم بذلك لأجلي فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا ( ما وسوست به صدورها ) : بالرفع فاعلا أي : ما خطر في قلوبهم من الخواطر الرديئة ، فهو من مجاز المحاورة ، ويجوز نصبه مفعولا به . قيل : فيه نظر ؛ لأن الوسوسة لازم ، لنعم وجه النصب الظرفية إن ساعدته الرواية ، وروي ما حدثت به أنفسها بالرفع ، والنصب بدله ( ما لم تعمل به ) أي : ما دام لم يتعلق به العمل إن كان فعليا ( أو تكلم ) : به أي : ما لم تتكلم به إن كان قوليا كذا في الأزهار ، قال صاحب الروضة في شرح صحيح البخاري : المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها فقوله - صلى الله عليه وسلم - : فإن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ) محمول على ما إذا لم تستقر ، وذلك معفو بلا شك ؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار ، ثم نقل صاحب الأزهار عن الإحياء ما حاصله : أن لأعمال القلب أربع مراتب . الأول : الخاطر كما لو خطر له صورة امرأة مثلا خلف ظهره في الطريق لو التفت إليها يراها . والثاني : هيجان الرغبة إلى الالتفات إليها ، ونسميه ميل الطبع ، والأول حديث النفس ، والثالث : حكم القلب بأن يفعل أي : ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تندفع الهمة ، والنية ، ما لم تندفع الصوارف ، وهي الحياء ، والخوف من الله تعالى ، أو من عباده ، ونسميه اعتقادا . والرابع : تصميم العزم على الالتفات ، وجزم النية فيه ، ونسميه عزما بالقلب ، أما الخاطر فلا يؤاخذ به ، وكذا الميل ، وهيجان الرغبة ؛ لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار ، وهما المرادان بقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( إن الله تجاوز عن أمتي ) الحديث . وأما الثالث ، وهو الاعتقاد : فهو مردد بين أن يكون اختيارا لا ينكره ، واضطرارا ينكره ، فالاختياري يؤاخذ ، والاضطراري لا يؤاخذ ، وأما الرابع وهو العزم ، والهم بالفعل ، فإنه يؤاخذ به ، وعليه تنزل الآيات التي دلت على مؤاخذة أعمال القلوب إلا أنه إن ترك خوفا من الله تعالى كتبت له حسنة ؛ لأن همه سيئة ، وامتناعه عنها مجاهدة مع نفسه فتكون حسنة تزيد عليها ، وإن تركها لعائق ، أو فاتها ذلك لعدم الحصول كتبت عليه سيئة للعزم ، والهمة الجازمة ، والدليل القاطع على ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح المتفق على صحته : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ، والمقتول في النار ) قيل : يا رسول الله فما بال المقتول ؟ قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) . وهذا صريح في أنه صار إلى النار ، ووقع فيها بمجرد العزم ، والنية ، وإن مات ولم يعمل وقتل مظلوما ، وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب الجازمة ، والكبر ، والعجب ، والنفاق ، والحسد ، وغيرها من الأوصاف الذميمة يؤاخذ بها . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الإثم ما حاك في الصدر ) . وقال : " البر ما اطمئن إليه القلب ، واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في نفسك ، وتردد في صدرك ، وإن أفتاك الناس ) ا هـ .

أقول : الاستدلال بالحديث الأخير فيه نظر ؛ لأنه جعل الإثم عين ما تردد في الصدر ، وتقدم أن ما لم يستقر لا يكون إثما ، فمعنى الحديث أن ما تردد في الصدر أنه إثم ، أو غير إثم ففعله إثم احتياطا ، كما إذا تعارض دليل التحريم ، والتحليل في شيء فيحرم . قيل : الحديث يدل على أن التجاوز المذكور خاصية هذه الأمة ، وعلى التوجيه الذي نقله صاحب الأزهار من الروضة ، والإحياء يلزم أنه يكون عاما لجميع الأمم ؛ لأن ما لا يدخل تحت الاختيار لا يؤاخذ به شخص من الأشخاص لقوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) فالصواب ما قاله الطيبي من أن [ ص: 136 ] الوسوسة ضرورية ، واختيارية ، فالضرورية : ما يجري في الصدور من الخواطر ابتداء ، ولا يقدر الإنسان على دفعه ، فهو معفو عن جميع الأمم ، والاختيارية : هي التي تجري في القلب ، وتستمر ، وهو يقصد ، ويعمل به ، ويتلذذ منه كما يجري في قلبه حب امرأة ، ويدوم عليه ، ويقصد الوصول إليها ، وما أشبه ذلك من المعاصي ، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة خاصة تعظيما ، وتكريما لنبينا - عليه الصلاة والسلام - ، وأمته ، وإليه ينظر قوله تعالى : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) وأما العقائد الفاسدة ، ومساوئ الأخلاق ، وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور ا هـ .

وهو كلام حسن . ولهذا قيده النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( ما لم تعمل ، أو تتكلم ) إشارة إلى أن وسوسة الأعمال ، والأقوال معفوة قبل ارتكابها ، وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل ، والكلام من الأخلاق ، والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار ، وذكر الإمام النووي أن مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب أن من عزم على المعصية ، ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده ، وعزمه ، ويحمل ما وقع في أمثال قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوا عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة ) الحديث . فيمن لم يوطن نفسه على المعصية ، وإنما مر ذلك بفكر من غير استقرار ، ويسمى هذا هما ، ويفرق بين الهم والعزم ، وهذا مذهب القاضي أبي بكر ، وخالفه كثير من الفقهاء ، والمحدثين ، وأخذوا بظاهر الحديث . وقال القاضي عياض : عامة السلف ، وأهل العلم من الفقهاء ، والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب ، لكنهم قالوا : إن هذا العزم يكتب سيئة ، وليست السيئة التي هم بها لكونها لم يعملها ، وقطع عنها قاطع غير خوف الله تعالى ، والإنابة ، لكن الإصرار ، والعزم معصية ، فصار تركه لخوف الله تعالى ، ومجاهدته نفسه الأمارة حسنة ، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ، ولا يصحبها عقد ، ولا نية ، وعزم ، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى ، بل لخوف الناس هل تكتب حسنة ؟ قال : لا ، لأنه إنما حمله على تركها الحياء ، وهذا الخلاف ضعيف لا وجه له . هذا آخر كلام القاضي ، وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه ، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر من ذلك قوله تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ) وقوله : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) والآيات في هذا كثيرة . وقد تظاهرت نصوص الشرع ، وإجماع العلماء على تحريم الحسد ، واحتقار المسلمين ، وإرادة المكروه بهم ، وغير ذلك من أعمال القلوب ، وعزمها ، وقد تقدم الفرق بين ما له تعلق بالعمل ، وبين ما ليس له تعلق به ، والله تعالى أعلم . وقيل : يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيرها ، وهو رواية عن أحمد ، وبه قال ابن مسعود لقوله تعالى : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الآية . ويرد بأن الإرادة هي القصد ، وهو العزم الذي هو أخص من الهم . ( متفق عليه ) : في الجامع الصغير : رواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ، أو تعمل به ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية