صفحة جزء
87 - وعن عمران بن الحصين - رضي الله عنهما : أن رجلين من مزينة قالا : يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ، ويكدحون فيه ؟ أشيء قضي عليهم ، ومضى فيهم من قدر سبق ، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم ، وثبتت الحجة عليهم ؟ فقال : لا ؟ بل شيء قضي عليهم ، ومضى فيهم ، وتصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل - : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) رواه مسلم .


87 - ( وعن عمران بن الحصين ) : مصغرا رضي الله عنهما يكنى أبا نجيد بضم النون ، وفتح الجيم ، وسكون الياء بعدها دال مهملة الخزاعي الكعبي ، أسلم عام خيبر سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين ، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم أسلم هو وأبوه ، روى عنه أبو رجاء ، ومطرف ، وزرارة بن أبي أوفى ( أن رجلين من مزينة ) : بالتصغير اسم قبيلة ( قالا : يا رسول الله أرأيت ) أي : أخبرني من إطلاق اسم السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها ، والهمزة فيه مقررة أي : قد رأيت ذلك فأخبرني به ( ما يعمل الناس ) : من الخير ، والشر ( اليوم ) أي : في الدنيا ( ويكدحون له ؟ ) أي : يسعون في تحصيله بجهد وكد ( أشيء ) : خبر مبتدأ محذوف أي : أهو شيء ( قضي عليهم ) : بصيغة المجهول أي : قدر فعله عليهم ( ومضى فيهم ) : بصيغة الفاعل أي : نفد في حقهم ( من قدر سبق ) أي : في الأزل ، ومن إما بيانية الشيء ، ويكون القضاء والقدر شيئا واحدا كما قاله بعضهم ، أو على الإطلاق اللغوي ، وإما تعليلية متعلقة بقضى ، أي : قضي عليهم لأجل قدر سبق ، وإما ابتدائية أي : القضاء نشأ ، وابتدأ من خلق مقدر ، فيكون القدر سابقا على القضاء قال في النهاية : المراد بالقدر التقدير ، وبالقضاء الخلق [ ص: 160 ] لقوله تعالى : ( فقضاهن سبع سماوات ) فالقضاء والقدر متلازمان لأن أحدهما ، وهو القدر بمنزلة الأساس ، والأساس وهو القضاء بمنزلة البناء . وقال الراغب : القضاء من الله تعالى أخص من القدر ؛ لأنه الفصل بين التقدير والقدر ، والقضاء هو الفصل والقطع ، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل ، والقضاء بمنزلة الكيل ، وهذا لما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام : أتفر من القضاء ؟ قال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله ، تنبيها على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله ، فأما إذا قضي فلا يندفع ، ويشهد لذلك قوله تعالى : ( وكان أمرا مقضيا ) وقوله : حتما مقضيا تنبيها على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه ، وهذا مخالفة لما نقلناه عن القاضي في حديث جبريل عليه السلام . قال بعض العارفين : القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه ، والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ، ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعا لرسم الأستاذ هو الكسب والاختيار ، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر . ( أو فيما يستقبلون به ) .

قال السيد جمال الدين : كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم ، وهو الأرجح معنى أيضا ، لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف . وقال الطيبي : كذا يعني ، أو في صحيح مسلم ، وكتاب الحميدي ، وجامع الأصول ، ووقع في نسخ المصابيح أم فيما يستقبلون . قيل : على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين ؛ لأن جوابه - عليه الصلاة والسلام - ، وهو قوله : ( لا ) غير مطابق له ، فنقول أم منقطعة ، وأو بمعنى بل ، فإن السائل لما رأى أن الرسل يأمرون أممهم ، وينهون اعتقد أن الأمر أنف كما زعمت المعتزلة فأضرب عن السؤال الأول ، والهمزة للتقدير والإثبات ، فلذلك نفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أثبته وقرره ، وأكده بـبل ، ولو كان السؤال عن التعيين لقال السائل أشيء قضي عليهم أم شيء يستقبلونه ؟ وقيل : كان حق العبارة أشيء قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم ؟ فغير العبارة وعدل عن التكلم إلى الغيبة ، وعمم الأمم كلها ، وأنبياءهم ، فدل ذلك على صحة ما قيل من الإضراب ، وقيل : وهو الأظهر أن المعنى أم شيء لم يقض عليهم في الأزل ، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فيه يتوجهون إلى العمل ، ويقصدون من غير سبق تقدير قبل ذلك ( مما أتاهم ) أي : جاءهم ( به نبيهم ) : الباء للتعدية ، ولفظ من فيما أتاهم بيان لما في قوله : ما يعمل الناس ، أو بيان لما في قوله : ما يستقبلون ، والأول أولى كما قال السيد جمال الدين ( وثبتت الحجة عليهم ) : قال تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة ( فقال : لا ) أي : لا تردد ( بل شيء قضي ) أي : قدر ( عليهم ، ومضى ) أي : سبق فيهم ، وتصديق ذلك ) : إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم في كتاب الله عز وجل : ( ونفس ) : بالجر على الحكاية ( وما سواها فألهمها فجورها ، وتقواها ) : وجه الاستدلال من النبي ، صلى الله عليه وسلم بالآية أن ألهمها بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قد جرى في الأزل ، والواو في ( ونفس ) للقسم على المقسم به ، والمراد نفس آدم ؛ لأنه الأصل فالتنوين للتقليل ، وقيل المراد جميع النفوس كقوله تعالى : ( علمت نفس ما أحضرت ) فالتنوين للتنكير ، وما في ( ما سواها ) . بمعنى من أي : ومن خلقها يعني به ذاته تعالى أي : خلقها على أحسن صورة ، وزينها بالعقل والتمييز ، وفي الحديث : ( اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها فأنت خير من زكاها أنت وليها ، ومولاها ) . ( رواه مسلم ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية