صفحة جزء
[ ص: 161 ] 88 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قلت يا رسول الله ! إني رجل شاب ، وأنا أخاف على نفسي العنت ، ولا أجد ما أتزوج به النساء - كأنه يستأذنه في الاختصاء - قال : فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك ، فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق ، فاختص على ذلك ، أو ذر ) رواه البخاري .


88 - ( وعن أبي هريرة ) : رضي الله عنه ( قال : قلت يا رسول الله إني رجل شاب ) أي : قوي الشهوة ( وأنا أخاف ) : قال الشيخ : وفي البخاري : وإني أخاف ( على نفسي ) : بفتح الفاء ، وتسكن ( العنت ) : بفتحتين أي : الزنا ، أو مقدماته ، وأصل العنت المشقة سمي به الزنا لأنه سبب العذاب في الدنيا ، والعقبى ( ولا أجد ) أي : من المال ( ما أتزوج به النساء ) : أراد به الجنس أي : مقدار ما أتزوج به امرأة ، وأنفق عليها ، فإذا عجز عن تزوج المرأة فالعجز عن شراء الجارية أولى ( كأنه يستأذن في الاختصاء ) : بالمد أي : قطع الأنثيين ، أو سلهما ، ويحتمل قطع الذكر أيضا فيكون الاختصاء تغليبا ، هذا كلام الراوي عن أبي هريرة . قال الأبهري : وليس هذا في البخاري ( قال ) أي : أبو هريرة ( فسكت ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( عني ) أي : عن جوابي ( ثم قلت مثل ذلك ) أي : القول ( فسكت عني ) : ثانيا ( ثم قلت مثل ذلك ) : لعله يجيب ( فسكت عني ) : ثالثا ( ثم قلت مثل ذلك ) أي : إلحاحا ، ومبالغة ( فقال النبي ) : وفي نسخة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق ) أي : ملاق بما تفعله ، وتقوله ، ويجري عليك . قال التوربشتي : جف القلم كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها ، والفراغ منها ؛ لأن الفروغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده ، فأطلق اللازم على الملزوم ، وهذه العبارة من مقتضيات الفصاحة النبوية ( فاختص ) : قال التوربشتي : الرواية الصحيحة فاختص بتخفيف الصاد من الاختصاء ، وقد صحفه بعض أهل النقل فرواه على ما هو في المصابيح يعني فاختصر بزيادة الراء . قال : ولا يشتبه ذلك إلا على عوام أصحاب النقل ، وفي شرح الطيبي قال المؤلف : الحديث في البخاري ، وكتاب الحميدي ، وشرح السنة ، وبعض نسخ المصابيح كما ذكره التوربشتي ( على ذلك : في موضع الحال يعني : إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حال كون فعلك ، وتركك واقعا على ما جف القلم ( أو ذر ) أي : اترك الاختصاء ، وأذعن ، وسلم للقضاء ، وأو للتخيير . قال المظهر أي : ما كان ، وما يكون مقدر في الأزل فلا فائدة في الاختصاء ، فإن شئت فاختص ، وإن شئت فاترك ، وليس هذا إذنا في الاختصاء ، بل توبيخ ولوم على الاستئذان في قطع عضو بلا فائدة ، وقيل : أو للتسوية على ما ذكر في أكثر نسخ المصابيح من قوله : فاختصر ، أو ذر . بمعنى أن الاختصار على التقدير ، والتسليم له ، وتركه ، والإعراض عنه سواء . فإن ما قدر لك من خير ، أو شر ، فهو لا محالة لاقيك ، وما لا فلا . وذكر أن عبد الله بن الطاهر دعا الحسين بن الفضل فقال : أشكل علي قوله تعالى : ( كل يوم هو في شأن ) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( جف القلم بما أنت لاق ) فأجاب : بأنها شئون يبديها لا شئون يبتدئ بها فقام عبد الله ، وقبل رأسه ( رواه البخاري ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية