صفحة جزء
[ ص: 165 ] 91 - وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : قام فينا رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بخمس كلمات فقال : إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ، ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) رواه مسلم .


91 - ( وعن أبي موسى ) أي : الأشعري رضي الله عنه كما في نسخة ( قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) : وكان إذا وعظ قام ( بخمس كلمات ) : والكلمة الجملة المفيدة أي : متفوها بخمس فصول ، وقيل قام فينا كناية عن التذكير أي : خطبنا ، وذكرنا بخمس كلمات . وقال الطيبي قوله : فينا ، وبخمس إما حالان مترادفان ، أو متداخلان . أي : قام خطيبا مذكرا لنا ، وإما أن يتعلق فينا بقام على تضمين قام معنى خطب ، ويكون بخمس حالا ، وقام على الوجهين بمعنى القيام ، وهناك وجه ثالث ، وهو أن يتعلق بخمس بقام ، ويكون فينا بيانا ، كأنه لما قيل قام بخمس قيل في حق من ؟ فقيل : في حقنا ، وعلى هذا قام بمعنى قام بالأمر أي : تشمر له أي : قام بحفظ تلك الكلمات فينا . قال ابن حجر : ويؤيد الحقيقة حديث : كان - عليه الصلاة والسلام - ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام ، وفيه أن كون القيام حقيقة في بعض المقام لا يستلزم استمراره في المرام . ( فقال : ( إن الله لا ينام ) : قال تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) والسنة : النعاس ، وهو نوم خفيف ، أو مقدمة النوم ( ولا ينبغي له أن ينام ) : نفي للجواز تأكيد لنفي الوقوع على سبيل التتميم أي : لا يكون ، ولا يصح ، ولا يستقيم ، ولا يمكن له النوم ؛ لأن النوم أخو الموت ؛ ولأن النوم لاستراحة القوى ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وهذه الثانية من الخمس ، وأغرب ابن حجر بقوله : اعتراض فتأمل .

والثالثة : هي قوله : ( يخفض القسط ، ويرفعه ) : قال التوربشتي : فسر بعضهم القسط بالرزق أي يقتره ، ويوسعه ، وعبر به عن الرزق لأنه قسط كل مخلوق أي : نصيبه ، وفسره بعضهم بالميزان ، ويسمى الميزان قسطا لما يقع به من المعدلة بالقسط أي : في القسمة وغيرها ، وهذا المعنى أولى لما في حديث أبي هريرة : يرفع الميزان ويخفضه ، والمراد من الميزان ما يوزن من أرزاق العباد النازلة من عنده وأعمالهم المرتفعة إليه يعني : فيخفضه تارة بتقتير الرزق ، والخذلان بالمعصية ، ويرفعه أخرى بتوسيع الرزق ، والتوفيق للطاعة . وفي الخفض والرفع هنا ، وفيما بعده تضاد ومطابقة ، وهما مستعاران من المعاني من الأعيان ، ويحتمل أنه أراد الإشارة إلى أنه تعالى كل يوم هو في شأن ، وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل ، وبين المعنى بما شوهد من وزن الميزان الذي يزن فيخفض يده ، ويرفعها . قيل : وهذا التأويل يناسب قوله : ولا ينبغي له أن ينام أي : كيف يجوز عليه ذلك ، وهو الذي يتصرف أبدا في ملكه بميزان العدل .

والرابعة : ( يرفع إليه ) : قال القاضي أي : إلى خزائنه كما يقال حمل المال إلى الملك ( عمل الليل ) أي : المعمول فيه ( قبل عمل النهار ) أي : قبل أن يؤتى - " بعمل النهار فيضبط إلى يوم الجزاء ، أو يعرض عليه ، وإن كان هو أعلم به ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضي لفاعله جزاء على فعله ، وقيل : معناه يقبل الله أعمال المؤمنين فيكون عبارة عن سرعة الإجابة ( وعمل النهار ) : عطف على عمل الليل ( قبل عمل الليل ) : إشارة إلى السرعة في الرفع ، والعروج إلى ما فوق السماوات فإنه لا فاصل بين الليل والنار ، وقيل : قبل رفع عمل الليل ، والأول أبلغ . قال ابن حجر : وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكلين برفع أعمال النهار بعد العصر ، والليل بعد الصبح ، وأنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما روي : أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة ، وما بين كل سماءين كذلك ، وسمك كل سماء كذلك ، وتقدير رفع في الأول ، ورفع أو فعل في الثاني هو الذي دل عليه الحديث الآخر : إن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر ، وأعمال الليل ترفع بعد صلاة الصبح ، فلا يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعل من عمل النهار ، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فعل أو رفع شيء من عمل الليل ؛ لأن بين ابتداء رفعها ، وعمل الليل فاصلا يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة الباهرة ، فالحاصل أن قوله قبل عمل النهار يتعين فيه تقدير رفع ؛ ولا يصح تقدير فعل فيه ، وقوله : قبل عمل الليل يصح فيه كل منهما ، وتقدير الفعل أبلغ ؛ لأن الزمن أقصر ، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين اهـ . كلامه .

[ ص: 166 ] والخامسة : ( حجابه النور ) أي : المعنوي ( لو كشفه ) : استئناف جوابا عمن قال : لا نشاهده أي : لو أزال الحجاب ، ورفعه ( لأحرقت سبحات وجهه ) : بضم أوليه جمع سبحة بالضم أي : أنوار وجهه ، والوجه الذات ، وقد قال بعض أهل التحقيق : هي الأنوار التي إذا رآها الراءون من الملائكة سبحوا ، وهللوا لما يروعهم من جلال الله وعظمته ؛ لأن كلمة سبحان الله كلمة تعجب ، وتعجيب على ما قاله ابن الأثير . وقال الكشاف : فيها معنى التعجب ، والأصل في ذلك أن يسبح الله في رؤية العجب من صنائعه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه ، وقيل : حجابه النور أي : حجابه خلاف الحجب المعهودة ، فهو محتجب عن خلقه بأنوار عزه وجلاله ، ولو كشف ذلك الحجاب ، وتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق ، وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي ، وهو هاهنا يرجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية ، فهو كناية عن منع رؤيته تعالى في الدنيا ، أو عن الإحاطة بذاته في الدنيا والعقبى ، وجملة لو كشفه إلخ . استئنافية مبينة للكلام السابق كأنه قيل : لم خص حجابه بالنور ، أو لم يكشف ذلك الحجاب ؟ فأجيب : بأنه لو كان من غيره ، أو لو كشفه لاحترق العالم ، وإنما أورد الجمل السابقة فعلية مضارعية لإفادة التجدد مع الاستمرار ، وأما هذه الجملة الاسمية فتدل على الثبات ، والدوام في هذا العالم ، وإذا صفت المؤمنون عن الكدورات البشرية في دار الثواب فيرونه بلا حجاب ، كما أن النبي - عليه الصلاة والسلام - رآه في الدنيا لانقلابه نورا كما قال في الدعاء : اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي بصري نورا ، وفي بشري نورا ) إلى قوله : ( واجعلني نورا ) ( ما انتهى ) أي : وصل ( إليه ) : الضمير لما ( بصره ) : تعالى ، وقيل : الضمير في بصره راجع إلى ما ، وهو موصول مفعول به لأحرقت ، وضمير إليه راجع إلى وجهه تعالى ، و ( من خلقه ) : ] بيان لما ، أو متعلق بأحرقت ، والمراد من خلقه جميع الموجودات ( رواه مسلم ) . قيل : معناه مسبوك من معنى آية الكرسي ، فهو سيد الأحاديث كما أنها سيدة الآيات .

التالي السابق


الخدمات العلمية