صفحة جزء
3 - ورواه أبو هريرة رضي الله عنه مع اختلاف ، وفيه : " وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ، ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله " ثم قرأ ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ) الآية . متفق عليه .


3 - ( ورواه أبو هريرة ) أي : هذا الحديث أيضا ( مع اختلاف ) أي : بين بعض ألفاظهما ( وفيه ) أي : في مروي أبي هريرة ( ردوا علي الرجل ) : فأخذوا يردونه فلم يروا شيئا فأخبرهم أنه جبريل . ذكره ابن حجر ، وتقدم الجمع عن النووي مع أن كون هذا الإخبار في المجلس غير صريح ، فلا ينافي ما تقدم من إعلام عمر بعد ثلاثة أيام في الصحيح ، وفيه أيضا : ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم ) أي : عن قبول الحق ( البكم ) أي : عن النطق بالصدق جعلوا لبلادتهم ، وحماقتهم ، وعدم تمييزهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به ( ملوك الأرض ) : منصوب على أنه مفعول ثان لرأيت ، أو على أنه حال ، والمراد بأولئك أهل البادية لما في رواية ، قال : ما الحفاة العراة ؟ قال : العريب مصغر العرب ( في خمس ) : هو في موضع النصب على الحال أي : تراهم ملوك الأرض متفكرين في خمس كلمات إذ من شأن الملوك الجهال التفكر في أشياء تعنيهم ، ولا تعنيهم ، أو متعلق بأعلم أي : ما المسئول عنها بأعلم من السائل في علم الخمس ، فإن العلم بها مختص به تعالى ، وفيه إشارة [ ص: 66 ] ظاهرة إلى إبطال الكهانة ، والتنجيم ، ونحوهما من كل ما فيه تسور على علم شيء كلي أو جزئي من هذه الخمس ، وإرشاد للأمة ، وتحذير لهم عن إتيان من يدعي علم الغيب لقوله تعالى : ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) .

فإن قلت : قد أخبر الأنبياء ، والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر ؟ قلت : الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها ، قال تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) بناء على اتصال الاستثناء الذي هو الأصل . وأخرج أحمد عن ابن مسعود : أوتي نبيكم علم كل شيء سوى هذه الخمس ، وأخرجه عن ابن عمر بنحوه مرفوعا . وقال القرطبي : من ادعى علم شيء منها غير مستند إليه - عليه الصلاة والسلام - كان كاذبا في دعواه . قال : وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي ، وليس ذلك بعلم ، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك اهـ .

ويؤيده ما أخرجه حميد بن زنجويه أن بعض الصحابة ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكر عليه ، فقال : إنما الغيب خمس ، وتلا هذه الآية . وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ، ويجهله قوم اهـ . وما ذكره بعض الأولياء من باب الكرامة بأخبار بعض الجزئيات من مضمون كليات الآية ، فلعله بطريق المكاشفة أو الإلهام أو المنام التي هي ظنيات لا تسمى علوما يقينيات ، وقيل الجار متعلق بمقدر أي : ذكر الله ذلك في خمس ، أو تجد ذلك في خمس ، وقيل في بمعنى مع ، وقيل : بمعنى : من ، أي : من جملة خمس ، وقيل : هو مرفوع المحل على الخبرية أي : الساعة ثابتة ، أو معدودة في خمس ، ويؤيده رواية : هي في خمس من الغيب أي : عدم وقت الساعة مندرج في جملة خمس كلمات [ ( لا يعلمهن إلا الله ) ] : كما أفاده تقوم عنده في الآية الآتية ، إذ الظرف خبر مقدم لإفادة الحصر ، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ، وعطف ينزل وما بعده بتقدير أن المصدرية على الساعة ، وجملة وما تدري المقصود منهما إثبات ذلك المعنى عن الغير فيهما لله تعالى ، وهذا كله إنما يحتاج إليه إن لم يفسر الخمس بمفاتيح الغيب في قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) وأما إذا فسرت بها فالحصر جلي لا يحتاج الاستدلال عليه ، واعلم أن الجواب تضمن زيادة على السؤال اهتماما بذلك إرشادا للأمة لما يترتب على المصلحة الكثيرة الفوائد العظيمة العوائد ، ( ثم قرأ ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إن الله عنده علم الساعة ) أي : آية تلك الخمس بكمالها كما دل عليه السياق بيانا لها ، ويحتمل أن يكون فاعل قرأ أبا هريرة فتكون الآية استشهادا ومصداقا للحديث ( وينزل الغيث ) قرئ بالتشديد والتخفيف أي : وهو ينزل المطر الذي يغيث الناس في أمكنته وأزمنته لا يعلمها إلا هو ( الآية ) : من قول أحد الرواة بالنصب على تقدير أعني ، أو يعني ، أو اقرأ ، أو قرأ ، أو على أنه بدل مما قبله ، وبالرفع أي : الآية معلومة مشهورة إذا قرأها ، وقيل بالجر والتقدير قرأ ، أو اقرأ إلى الآية أي : آخرها . وفي رواية لمسلم إلى ( خبير ) وأخرى للبخاري إلى ( الأرحام ) والأول أولى لأن فيها زيادة ثقة وإفادة ، والروايتان تدلان على أن لفظة الآية ليست من قول المصنف كما ظن بعضهم ، وتمامها ( ويعلم ما في الأرحام ) أي : وهو يعلم تفصيل ما في أرحام الإناث من ذكر أو أنثى ، وواحد ومتعدد ، وكامل وناقص ، ومؤمن وكافر ، وطويل وقصير ، وغير ذلك . قال الله تعالى : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ) أي : تنقص : وما تزداد أي : من مدة الحمل والجثة والعدد ( وكل شيء عنده بمقدار ) أي : بقدر واحد لا يتجاوزه ، وعدل عن العلم في قوله :

[ ص: 67 ] ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ) ; لأن الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصا بها ، ولم يقع منه على علم كان عدم اطلاعها على غير ذلك من باب أولى ، والمراد بالنفس ذات النفس ، أو ذات الروح ، وهذان المعنيان لا يجوز إطلاق النفس على الله تعالى ، ولذا قيل بالمشاكلة في قوله تعالى : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) وأما إذا أريد بها الذات المطلق فيصح إطلاقه على الله تعالى ، كما ورد : ( سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) . ( إن الله عليم ) أي : بهذه الأشياء من جزئياتها وكلياتها خصوصا وغيرها عموما ( خبير ) أي : بباطنها ، كما أنه عالم بظاهرها ، معناه يخبر ببعضها من جزئياتها لبعض عباده المخصوصين ، وقد أخبر في مواضع كتابه أن علم الساعة مما استأثر الله تعالى له ، وفي رواية ، ثم أدبر ، فقال : ( ردوه ) فلم يروا شيئا ( متفق عليه ) أي : اتفق الشيخان على مروي أبي هريرة الذي فيه هذه الزيادة لكن استدركه ميرك ، وقال : إلا أن البخاري لم يقل : ( الصم البكم ملوك الأرض ) ، بل قال في كتاب الإيمان : ( وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان ) وفي كتاب التفسير : ( وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذلك من أشراطها ) ، وأخرجه أبو داود ، والنسائي بمعناه .

التالي السابق


الخدمات العلمية