صفحة جزء
6 - وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " هذا لفظ البخاري . ولمسلم قال : إن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي المسلمين خير ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده ) .


6 - ( وعن عبد الله بن عمرو ) : وكتب بالواو ليتميز عن عمر ، ومن ثمة لم يكتب حالة النصب ; لتميزه عنه بالألف ، وهو ابن العاص القرشي ، رضي الله عنهما ، أسلم قبل أبيه ، وتوفي بمكة أو الطائف أو مصر سنة خمس وستين ، أو ثلاث وسبعين ، وبينه وبين أبيه في السن إحدى عشرة سنة كما جزم به بعضهم ، قيل : وهذا من خواصه ، كذا ذكره ابن حجر .

[ ص: 72 ] وقال المصنف : كان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة ، وقيل : باثنتي عشرة سنة ، وكان غزير العلم ، كثير الاجتهاد في العبادة ، عمي آخر عمره ، وكان أكثر حديثا من أبي هريرة ; لأنه كان يكتب ، لكن ما روي عنه وهو سبعمائة حديث قليل بالنسبة لما روي عن أبي هريرة . قال المصنف : كان ممن قرأ الكتب ، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن يكتب حديثه فأذن له . [ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلم ) ] أي الكامل ؛ لما تقدم من معنى الإسلام ، أو المسلم الحقيقي المتصف بمعناه اللغوي [ ( من سلم المسلمون ) ] أي والمسلمات ، إما تغليبا وإما تبعا ، ويلحق بهم أهل الذمة حكما ، وفي رواية ابن حبان : من سلم الناس [ ( من لسانه ) ] أي : بالشتم ، واللعن ، والغيبة ، والبهتان ، والنميمة ، والسعي إلى السلطان ، وغير ذلك ، حتى قيل : أول بدعة ظهرت قول الناس الطريق الطريق [ ( ويده ) ] : بالضرب ، والقتل ، والهدم ، والدفع ، والكتابة بالباطل ، ونحوها ، وخصا لأن أكثر الأذى بهما ، أو أريد بهما مثلا ، وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل ، ولأنه أشد نكاية كما قال :


جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان

ولأنه يعم الأحياء والأموات ، وابتلي به الخاص والعام خصوصا في هذه الأيام ، وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره ، وقيل : كنى باليد عن سائر الجوارح ; لأن سلطة الأفعال إنما تظهر بها ؛ إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع ، والأخذ ، فقيل في كل عمل هذا مما عملته أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها ، وفيه أن الأيدي واليدين توضعان موضع الأنفس والنفس ; لأن أكثر الأفعال يزاول بهما ، ولا يعرف استعمال اليد المفردة بهذا المعنى ، ثم الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها ، فهي استصلاح وطلب للسلامة ، أو مستثنى شرعا ، أو لا يطلق عليه الأذى عرفا ، [ ( والمهاجر ) ] أي : الكامل ، أو حقيقة لشموله أنواع الهجرة لأن فضله على الدوام [ ( من هجر ) ] أي : ترك [ ( ما نهى الله عنه ) ] أي : في الكتاب أو السنة ، وفي رواية : ما حرم الله عليه ، وأريد بالمفاعلة المبالغة حيث لم تصح المغالبة ( هذا لفظ البخاري ) : ورواه أبو داود ، والنسائي . ( ولمسلم ) أي : في صحيحه بعضه ; فإنه أخرج شطره الأول عن جابر مرفوعا بلفظه وبمعناه عن عبد الله بن عمرو ( قال : إن رجلا سأل النبي ) وفي نسخة : ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي المسلمين ) أي : أي أفراد هذا الجنس ، أو أي قسمي هذا النوع ( خير ) أي : أفضل وأكمل [ قال : ( من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ] ورواه البخاري بلفظ : أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم إلخ . أي : إسلام من سلم ، وقيل : لكون " أي " لا تدخل إلا على متعدد كان فيه حذف تقديره : أي أصحاب الإسلام ، وقيل : أي خصال الإسلام ، وقيل : الإسلام بمعنى المسلم كعدل بمعنى عادل مبالغة ، وفرق بين خير وأفضل ، مع أن كليهما أفعل تفضيل بأن الأول من الكيفية إذ هو النفع في مقابلة الشر والمضرة ، والثاني : من الكمية إذ هو كثرة الثواب في مقابلة القلة ، وفي الروايتين جميعا دلالة على أن المسلم في الرواية السابقة المراد بها - الكامل ، ومن ثم قال الخطابي : إن هذا على حد قولهم : الناس العرب ، أي هم أفضل الناس ، فهاهنا المراد : أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الحق أداء حقوق الخلق ، والاقتصار على الثاني إما لأن الأول مفهوم بالطريق الأولى ، أو لأن تركه أقرب إلى العفو ، أو لأن الثاني يتعلق به الحقان ، فخص للاهتمام والاعتناء به ، ولحصول السلامة الدنيوية والأخروية بوجوده ، أو إشارة إلى أن علامة الإسلام هي السلامة من إيذاء الخلائق كما أن الكذب والخيانة وخلف الوعد علامة المنافق .

التالي السابق


الخدمات العلمية