صفحة جزء
2116 - وعن أبي سعيد الخدري أن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت ، فقرأ فجالت ، فسكت فسكنت ، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف ، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه ، ولما أخره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، فلما أصبح حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير " قال : فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فانصرفت إليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة ، فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها ، قال : " وتدري ما ذاك ؟ " قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم " متفق عليه ، واللفظ للبخاري ، وفي مسلم : عرجت في الجو بدل فخرجت على صيغة المتكلم .


2116 - ( وعن أبي سعيد الخدري أن أسيد بن حضير ) بالتصغير فيهما والحاء المهملة ( قال ) ، أي يحكي عن نفسه ( بينما هو ) ، أي أسيد ( يقرأ من الليل ) ، أي في بعض أجزاء الليل وساعاته ( سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده ) وقيل : التأنيث في مربوطة على تأويل الدابة ، وصوابه أن الفرس يقع على الذكر والأنثى كذا قاله الجوهري ، والجملة الحالية ( إذ ) ظرف ليقرأ ( جالت الفرس ) ، أي دارت وتحركت كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به ( فسكت ) ، أي أسيد عن القراءة لينظر ما السبب في جولانها ( فسكنت ) ، أي الفرس عن تلك الحركة فظن أن جولانها أمر اتفاقي ( فقرأ فجالت فسكت ) ، أي كذلك ( فسكنت ) فظن أنه لأمر ( ثم قرأ ) ، أي ثم أراد أن يستظهر في أمره فتروى ثم قرأ ( فجالت الفرس ) فعلم أن ذلك لأمر أزعجها عن قرارها ، قيل : تحرك الفرس كان لنزول الملائكة لاستماع القرآن خوفا منهم وسكونها لعروجهم إلى السماء أو لعدم ظهورهم ، أو تحرك الفرس لوجدان الذوق بالقراءة وسكونها لذهاب ذلك الذوق منها بترك القراءة ( فانصرف ) ، أي أسيد من الصلاة أو من القراءة ( وكان ابنه ) ، أي ابن أسيد ( يحيى قريبا منها ) ، أي من الفرس ( فأشفق ) ، أي خاف أسيد ( أن تصيبه ) ، أي الفرس ابنه في جولانها فذهب أسيد إلى ابنه ليؤخره عن الفرس ( ولما أخره ) ، أي أسيد ابنه يحيى عن قرب الفرس ( رفع رأسه إلى السماء فإذا ) هي للمفاجأة ( مثل الظلة ) وهي الضم ما يقي الرجل من الشمس كالسحاب والسقف وغير ذلك ، أي شيء مثل السحاب على رأسه بين السماء والأرض ( فيها ) ، أي في الظلة ( أمثال المصابيح ) ، أي أجسام لطيفة نورانية ( فلما أصبح ) ، أي دخل [ ص: 1458 ] أسيد في الصباح ( حدث النبي صلى الله عليه وسلم ) ، أي حكاه بما رآه لفزعه منه ( فقال ) ، أي النبي - صلى الله عليه وسلم - مزيلا لفزعه ومعلما له بعلو مرتبته ومؤكدا له فيما يزيد في طمأنينته ( اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير ) كرر مرتين لا ثلاثا على ما في شرح ابن حجر للتأكيد ، أي ردد وداوم على القراءة التي سبب لمثل تلك الحالة العجيبة إشعارا بأنه لا يتركها إن وقع له ذلك بعد في المستقبل بل يستمر عليها استمتاعا بها ، وقال الطيبي رحمه الله : اقرأ لفظ أمر طلب للقراءة في الحال ومعناه تخصيص وطلب الاستزادة في الزمان الماضي ، فكأنه استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضا عليه اهـ فكأنه قال : هلا زدت ، ولذلك ( قال : فأشفقت ) وفي نسخة : أشفقت ( يا رسول الله أن تطأ يحيى ) ، أي خفت إن دمت عليها أن تدوس الفرس ولدي يحيى ( وكان منها قريبا فانصرفت ) ، أي عن القراءة ( إليه ) ، أي إلى يحيى ترحما عليه ( ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ) وهذا بحسب الظاهر تكرار ودفعه - والله أعلم - بأنه لما حكى له - عليه الصلاة والسلام - صدر القضية وهو جولان الفرس حين القراءة فقال - صلى الله عليه وسلم - : " اقرأ " ، أي كنت زدت في القراءة فذكر العذر في تركها ( فخرجت ) ، أي من بيتي ( حتى لا أراها ) ، أي المصابيح لغاية الفزع ( قال ) ، أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ( وتدري ما ذاك ؟ ) ، أي تعلم أي شيء ذاك المرئي ( قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت ) ، أي نزلت وقربت ( لصوتك ) ، أي بالقراءة ( ولو قرأت ) ، أي إلى الصبح ( لأصبحت ) ، أي الملائكة ( ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ) ، أي لا تغيب ولا تخفى الملائكة من الناس ، ووجه التشبيه المذكور أن الملائكة ازدحموا على سماع القرآن حتى صاروا كالشيء الساتر الحاجز بينه وبين السماء ، وكأن تلك المصابيح هي وجوههم ، ولا مانع من أن الأجسام النورانية إذا ازدحمت تكون كالظلة ولا من أن بعضها كالوجه أضوأ من بعض كذا حققه ابن حجر ( متفق عليه ، واللفظ للبخاري ، وفي مسلم : عرجت ) ، أي صعدت الملائكة وارتفعت فيه لكونه قطع القراءة التي نزلت لسماعها ( في الجو ) بفتح الجيم وتشديد الواو ، أي في الهواء بين السماء والأرض ( بدل فخرجت ) ، أي مكان هذه الكلمة ( على صيغة المتكلم ) ، أي في هذه وعلى صيغة الغائبة في تلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية