صفحة جزء
2737 - وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وأمرت بقرية تأكل القرى . يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد . ( متفق عليه ) .


2737 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرت ) أي في الهجرة ( بقرية ) أي بنزولها أو استيطانها ( تأكل القرى ) أي تغلبها وتظهر عليها ، والمعنى يغلب أهلها وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من قرى والأنصار ، وفي الفائق أي يفتح أهلها القرى ويقتسمون أموالها ، فجعل ذلك أكلا منها للقرى على سبيل التمثيل ، ويجوز أن يكون تفضيلا لها على القرى كقولهم : هذا حديث يأكل الأحاديث أي يفضلها ، ومن اللطائف الواقعة في زماننا أن شخصا جاوب القصيدة البردة بشعر سخيف ، ونظم ضعيف ، وكان قرأ قصيدته ويمدحها في أثناء قراءته ويقول : هذا البيت يبلع البردة ، وكان واحد من الظرفاء حاضرا في المجلس فلما أكثر من قوله هذا يبلع . [ ص: 1880 ] البردة قال : يا فلان إنا لم نرد البالوعة ، فخجل الشاعر وبهت الفاجر وقال بعضهم أصل الأكل للشيء الإفناء له ثم استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال ، فكأنه قال يأكل أهلها القرى ، أو أضاف الأكل إليها لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها وتفنى فيها ( يقولون ) أي الناس من أهل القرى لها ( يثرب ) أو هي يثرب ( وهي المدينة ) أي يسمونها هذا الاسم والاسم الذي تستحقه هو المدينة لدلالتها على التعظيم ، وأما التثريب فهو اللوم والتوبيخ قال - تعالى - حكاية لا تثريب عليكم اليوم ( تنفي الناس ) أي الخبيثين ( كما ينفي الكير خبث الحديد ) قال بعض الشراح يثرب من أسماء المدن ، وقيل هو اسم أرضها سميت باسم رجل من العمالقة كان أول من نزلها وبه كانت تسمى قبل الاسم ، فلما هاجر النبي غير هذا الاسم فقال بل هي طابة ، وجعل المدينة مكانها وكأنه كره هذا الاسم لما يئول إليه من التثريب أو لغير ذلك أي من أنه اسم رجل من العمالقة ولذلك قال يقولون يثرب وهي المدينة ; أي الاسم الحقيقي بأن تدعى به هي المدينة فإنها يليق بأن تتخذ دار إقامة من مدن بالمكان إذا أقام به ، تنفي الناس أي شرارهم وهمجهم ، يدل عليه التشبيه بالكير فإنه ينفي خبث الحديد وهو بفتح الخاء والباء وبالمثلثة رديئه ، ثم كور الحداد بضم الكاف توقد النار من الطين والكير زقه الذي ينفخ فيه ، والمراد ما بني من الطين اهـ . قال النووي - رحمه الله - قد حكي عن عيسى بن دينار : أن من سماها يثرب كتب عليه خطيئة ، وأما تسميتها في القرآن بيثرب فهي حكاية قول المنافقين الذين في قلوبهم مرض ( متفق عليه ) .

وقد حكي عن بعض السلف تحريم تسمية المدينة بيثرب ، ويؤيده ما رواه أحمد عن البراء مرفوعا : من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ، هي طابة هي طابة قال الطيبي - رحمه الله - فظهر من هذا أن من يحقر شأن ما عظمه الله ومن وصف ما سماه الله بالإيمان بما لا يليق به ; يستحق أن يسمى عاصيا ، بل هو كافر وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته ، وقال في الفائق : أسند تسميتها بيثرب إلى الناس تحاشيا عن معنى التثريب ، وكان يسميها طابة وطيبة ويقولون صفة للقرية والراجع منها إليها محذوف ، والأصل يقولون لها .

التالي السابق


الخدمات العلمية