صفحة جزء
[ ص: 2324 ] الفصل الأول

3555 - عن أبي هريرة وزيد بن خالد أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : اقض بيننا بكتاب الله . وقال الآخر : أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم قال : تكلم قال إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك وأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام وأما أنت يا أنيس فاغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ، فاعترفت فرجمها . متفق عليه .


كتاب الحدود

قال الراغب : الحد الحاجز بين شيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وحد الزنا والخمر سمي به لكونه مانعا لمتعاطيه عن معاودة مثله ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه . وقال ابن همام : محاسن الحدود أظهر من أن يذكره البيان أو يكتبه البنان ; لأن الفقيه وغيره يستوي في معرفة أنها للامتناع عن الأفعال الموجبة للفساد ففي الزنا ضياع الذرية وإماتتها معنى بسبب اشتباه النسب وفي باقي الحدود زوال العقل وإفساد الأعراض وأخذ أموال الناس وقبح هذه الأمور مركوز في العقول ولذا لم تبح الأموال والأعراض والزنا والسكر في ملة من الملل وإن أبيح الشرب والمقصود من شرعية الحد الانزجار عما يتضرر به العباد والتحقيق ما قال بعض المشايخ إنها موانع قبل الفعل زواجر بعده أي العلم بشرعيتها تمنع الإقدام على الفعل وإيقاعها بعده يمنع من العود إليه ، قال : وأما قول صاحب الهداية والطهارة ليست بأصلية أي الطهرة من ذنب بسبب الحد يفيد أنه مقصود أيضا من شرعيتها لكنه ليس مقصودا أصليا بل تبع لما هو الأصل من الانزجار وهو خلاف المذهب فإن المذهب أن الحد لا يعمل في سقوط إثم قبل سببه أصلا بل لم يشرع إلا لحكمة الانزجار ، وأما ذلك فقول طائفة كثيرة من أهل العلم واستدلوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم فيما روي في البخاري وغيره أن : من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه . واستدل الأصحاب بقوله تعالى في قطاع الطريق ذلك أي التقتيل والتصليب والنفي لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا فأخبر أن جزاء فعلهم عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية إلا من تاب فإنها حينئذ تسقط عنه الأخروية بالإجماع للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا ويجب أن يحمل الحديث على ما إذا تاب في العقوبة لأنه هو الظاهر ; لأن الظاهر إن ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه مسبب فعله فيقيد به جمعا بين الأدلة وتقييد الظني عند معارضة القطعي له متعين بخلاف العكس .

أقول التحقيق وبالله التوفيق أن الأحسن في الجمع أن الحد مطهر له بخصوص ذلك الفعل فإن الله أرحم من أن يثني على عباده العقوبة ويؤيده قول الصحابي : طهرني يا رسول الله على ما سيأتي في الحديث ثم إن انضم معه التوبة فبها ونعمت وإن دام على إصراره فيعذب بمقداره ويتفرع عليه ما لو تعدد منه ما يوجب الحد ثم حد فإن تاب حين الحد كفر عنه الجميع وإلا فكفر عنه ما حد به وحده والباقي تحت مشيئته تعالى وكذا يحصل الجمع بين الآية والحديث وتبين أن خلاف العلماء لفظي والله تعالى أعلم ثم الحد يثبت بالبينة والإقرار لا بعلم الإمام وعليه جماهير العلماء وقال أبو ثور : ونقل قولا عن الشافعي أنه يثبت به وهو القياس ; لأن الحاصل بالبينة والإقرار دون الحاصل بمشاهدة الإمام قلنا نعم لكن الشرع أهدر اعتباره بقوله تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ونقل فيه إجماع الصحابة كذا حققه ابن الهمام .

الفصل الأول

3555 - ( عن أبي هريرة وزيد بن خالد ) لم يذكره المؤلف في أسمائه ( أن رجلين اختصما ) أي ترافعا للخصومة ( إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحدهما اقض ) أي احكم ( بيننا بكتاب الله ) قال الطيبي : أي بحكمه إذ ليس في القرآن الرجم قال تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم أي الحكم بأن لا يؤاخذ على جهالة ويحتمل أن يراد به القرآن وكان ذلك قبل أن تنسخ آية الرجم لفظا ( وقال الآخر أجل ) بفتحتين وسكون اللام أي نعم ( يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله ) الفاء فيه جواب شرط محذوف يعني إذا [ ص: 2325 ] اتفقت معه بما عرض على جنابك فاقض فوضع كلمة التصديق موضع الشرط ذكره الطيبي وقال : وإنما سأل المترافعان أن يحكم بينهما بحكم الله وما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل ما بينهم بالحكم الصرف لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق بهما إذ للحاكم أن يفعل ذلك ولكن برضا الخصمين ( وأذن لي أن أتكلم قال تكلم قال إن ابني كان عسيفا ) أي أجيرا ثابت الأجرة ( على هذا ) قال التوربشتي : وإنما قال على هذا لما يتوجه للأجير على المستأجر الأجرة بخلاف ما لو قال عسيفا لهذا لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة والعمل قال الطيبي : يريد أن قوله على هذا صفة مميزة للأجير أي أجيرا ثابت الأجرة عليه وإنما يكون كذلك إذا لابس العمل وأتمه ولو قيل لهذا لم يكن كذلك ( فزنى ) أي الأجير ( بامرأته ) أي المستأجر ( فأخبروني ) أي بعض العلماء ( أن على ابني الرجم ) وفيه أنه يجوز السؤال من المفضول مع وجود الفاضل ( فافتديت منه ) أي ولدي ( بمائة شاة وبجارية لي ) أي أعطيتهما فداء وبدلا عن رجم ولدي ( ثم إني سألت أهل العلم ) أي كبراءهم وفضلاءهم ( فأخبروني أن على ابني جلد مائة ) بفتح الجيم أي ضرب مائة جلدة لكونه غير محصن ( وتغريب عام ) أي إخراجه عن البلد سنة ( وإنما الرجم على امرأته ) أي لأنها محصنة ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ) بتخفيف الميم بمعنى ألا للتنبيه ( والذي نفسي ) أي ذاتي أو روحي ( بيده ) أي بقبضة قدرته وحيز إرادته ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) وقيل : الرجم وإن لم يكن منصوصا عليه صريحا لنسخ آية الرجم لفظا لكنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال وهو قوله تعالى واللذان يأتيانها منكم فآذوهما والأذى يطلق على الرجم وغيره من العقوبات هذا وقد فصل الحكم المجمل في قوله لأقضين بقوله ( أما غنمك وجاريتك فرد عليك ) أي مردود إليك ( وأما ابنك فعليه جلد مائة ) بالإضافة وفي نسخة بتنوين جلد ونصب مائة على التمييز ولا بد من تقدير فعليه ذلك على تقدير ثبوته بإقرار أو شهادة أربعة ( وتغريب عام ) هذا عند الشافعي ومن تبعه ومن لم يره من العلماء كأئمتنا يحمل الأمر فيه على المصلحة ويقول : ليس التغريب بطريق الحد ، بل بطريق المصلحة التي رآها الإمام من السياسة ، وقيل إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( وأما أنت يا أنيس ) تصغير أنس وهو ابن الضحاك الأسلمي ولم يذكره المؤلف في أسمائه ( فاغد ) بضم الدال وهو أمر الذهاب في الغدوة كما أن رح أمر بالذهاب في الرواح ثم استعمل كل في معني الآخر أي فاذهب ( على امرأة هذا ) أي إليها وفيه تضمين أي حاكما عليه ( فإن اعترفت فارجمها ) به أخذ مالك والشافعي في أنه يكفي في الإقرار مرة واحدة فإنه صلى الله عليه وسلم علق رجمها باعترافها ولم يشترط الأربع كما هو مذهبنا وأجيب بأن المعنى فإن اعترفت المعهود وهو أربع مرات فارجمها ( فاعترفت فرجمها ) قال الطيبي : الحديث يدل على جواز الإفتاء في زمانه فإن أبا العسيف قال : سألت أهل العلم فأخبروني إلخ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه وأن حد البكر جلد مائة وتغريب عام وإن حضور الإمام ليس بشرط في إقامتها فإنه صلى الله عليه وسلم بعث أنيسا لها وإن الاستنابة فيها جائزة قلت : فحضوره حضوره فلم يتم الاستدلال به قال النووي : إن بعث أنيس إليها محمول على إعلامها بأن أبا العسيف قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف هل هي طالبة به أم تعفو عنه أو تعترف بالزنا فإن اعترفت فلا يحد القاذف وعليها الرجم لأنها كانت محصنة ولا بد من هذا التأويل ; لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وتجسسه وهذا غير مراد ; لأن حد الزنى لا يتجسس ولا ينقر عنه بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع كما سيجيء وفيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر على قول أحد الخصمين اقض بالحق ونحو ذلك إذا تعدى عليه خصمه .

[ ص: 2326 ] في شرح السنة أن للحاكم أن يبدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء وفي قوله فرد عليك دليل على أن المأخوذ بحكم البيع الفاسد والصلح الفاسد مستحق الرد على صاحبه غير مملوك للآخذ وفيه أن من أقر بالزنى على نفسه مرة يقام الحد عليه ولا يشترط فيه التكرار كما لو أقر بالسرقة مرة واحدة يقطع ولو أقر بالقتل مرة واحدة يقتص منه وإليه ذهب الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة : ينبغي أن يقر أربع مرات في أربع مجالس ، فإذا أقر أربع مرات في مجلس واحد فهو كإقرار واحد . قال المحقق ابن الهمام : اختلف الحكم في اشتراط تعدد الإقرار فنفاه الحسن وحماد بن أبي سليمان ومالك والشافعي وأبو ثور واستدلوا بحديث العسيف ولأن الغامدية لم تقر أربعا وإنما رد ماعزا لأنه شك في أمره فقال : أبك جنون ؟ وذهب كثير من العلماء إلى اشتراط الأربع واختلفوا في اشتراط كونها في أربعة مجالس . وقال به علماؤنا ونفاه ابن أبي ليلى وأحمد فيما ذكر عنه واكتفوا بالأربع في مجلس واحد وما في الصحيحين ظاهر فيه وهو ما روي عن أبي هريرة قال : أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال : يا رسول الله إني زنيت . فأعرض عنه حتى بين ذلك أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ فقال : لا . قال : هل أحصنت ؟ قال : نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه . فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه . فهذا ظاهر في أنه كان في مجلس واحد ، قلنا : نعم هو ظاهر فيه لكن أظهر منه في إفادة أنها مجالس ما في صحيح مسلم عن أبي بريدة أن ماعزا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فرده ثم أتاه الثانية من الغد فرده ثم أرسل إلى قومه هل تعلمون بعقله بأسا فقالوا : ما نعلمه إلا وفي الفعل من صالحينا فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسألوه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفيرة فرجمه . وأخرج أحمد وإسحاق ابن راهويه في مسنديهما وابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبي بكر رضي الله تعالى ، عنه قال : أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف وأنا عنده مرة فرده ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثانية فرده ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثالثة فرده فقلت له : إن اعترفت الرابعة رجمك قال : فاعترف الرابعة ، فحبسه ، ثم سأل عنه ، فقالوا : لا نعلم إلا خيرا فأمر به ، فرجم ، فصرح بتعداد المجيء وهو يستلزم غيبته ونحن إنما قلنا : إنه إذا تغيب ، ثم عاد فهو مجلس آخر . وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال : جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الأبعد زنى ، فقال له : ويلك ! وما يدريك ما الزنا ؟ فأمر به فطرد ، فأخرج ، ثم أتاه الثانية ، فقال له مثل ذلك ، فأمر به ، فطرد ، فأخرج ثم أتاه الثالثة ، فقال له مثل ذلك ، فأمر به فطرد ، فأخرج ، ثم أتاه الرابعة ، فقال مثل ذلك ، فقال أدخلت وأخرجت ؟ قال : نعم ، فأمر به أن يرجم ، فهذا وغيره مما يطول ذكره ظاهر في تعدد المجالس ، فوجب أن يحمل الحديث الأول عليها ( متفق عليه ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية