صفحة جزء
4340 - وعن ركانة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، وإسناده ليس بالقائم .


4340 - ( وعن ركانة ) : بضم الراء وتخفيف الكاف وبالنون . قال المؤلف في فصل الصحابة : هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب القرشي ، كان من أشد الناس حديثا في الحجازيين ، بقي إلى زمن عثمان ، روى عنه جماعة . ( عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " فرق ما بيننا ) : أي الفارق فيما بيننا معشر المسلمين ( وبين المشركين العمائم على القلانس ) : بفتح القاف وكسر النون جمع قلنسوة ، وهي الطاقية وغيرها مما يلف العمامة عليها أي نحن نتعمم على القلانس ، وهم يكتفون بالعمائم ذكره الطيبي وغيره من الشراح ، وتبعهما ابن الملك وسيأتي ما ينافيه . ( رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب ، وإسناده ليس بالقائم ) . قلت : ورواه أبو داود وسكت عنه ، ولعل إسناده قائما ويحصل القيام به . وعن الجزري قال بعض العلماء السنة : أن يلبس القلنسوة والعمامة ، فأما لبس القلنسوة فهو زي المشركين لما في حديث أبي داود والترمذي عن ركانة . الحديث اهـ . وفيه أنه ينافيه ما سبق من الشراح ، لكن قال ميرك : وروي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس القلانس تحت العمائم ويلبس بغير القلانس اهـ .

ولم يرو أنه - صلى الله عليه وسلم - لبس القلنسوة بغير العمامة ، فيتعين أن يكون هذا زي المشركين ، وروى القضاعي والديلمي في مسند الفردوس ، عن علي - كرم الله وجهه - مرفوعا " العمائم تيجان العرب والاحتباء حيطانها وجلوس المؤمن في المسجد رباط " .

[ ص: 2778 ] وروى الديلمي عن ابن عباس بلفظ : العمائم تيجان العرب ، فإذا وضعوا العمائم وضعوا عزهم . وروى البارودي عن ركانة بلفظ : " العمامة على القلنسوة فصل ما بيننا وبين المشركين ، يعطى يوم القيامة لكل كورة يدورها على رأسه نورا ، وروى ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعا : " صلاة تطوع أو فريضة بعمامة تعدل خمسا وعشرين صلاة بلا عمامة ، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بلا عمامة " . فهذا كله يدل على فضيلة العمامة مطلقا ، نعم الجمع بين الأحاديث أنها مع القلنسوة أفضل إما ليحصل بها البهاء الزائد ، أو لأن القلنسوة تقيها من العرق ، ولهذا تسمى عرقية ، فلبسها وحدها مخالف للسنة ، كيف وهي زي الكفرة ، وكذا المبتدعة في بعض البلدان ، لكن صار شعارا لبعض مشايخ اليمن ، والله أعلم بمقاصدهم ونياتهم ، هذا وقد قال الجزري في تصحيح المصابيح قد تتبعت الكتب وتطلبت من السير والتواريخ لأقف على قدر عمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم أقف على شيء ، حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على شيء من كلام النووي ، ذكر فيه أنه كان له - صلى الله عليه وسلم - عمامة قصيرة ، وعمامة طويلة ، وأن القصيرة كانت سبعة أذرع ، والطويلة اثنى عشر ذراعا اهـ .

وظاهر كلام المدخل أن عمامته كانت سبعة أذرع مطلقا من غير تقييد بالقصير والطويل ، وقد كانت سيرته في ملبسه كسائر سيره على وجه أتم ، ونفعه للناس أعم ، إذ كبر العمامة يعرض الرأس للآفات الحسية والمعنوية ، كما هو مشاهد في الفقهاء المكية والقضاة الرومية ، وصغرها لا يقي من الحر والبرد ، فكان يجعلها وسطا بين ذلك ; تنبيها على أن تعتدل في جميع أفعالك .

قال صاحب المدخل : وعليك أن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما ، وفي شرح الشمائل لابن حجر ، قال ابن القيم ، عن شيخه ابن تيمية : أنه ذكر شيئا بديعا ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة ، قال العراقي : لم نجد لذلك أصلا يعني من السنة ، وقال ابن حجر : ، بل هذا من قبيل رأيهما وضلالهما ، إذ هو مبني على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له ، والحط على أهل السنة في نفيهم له ، وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى ، ولهما في هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان ، ويقضى عليه بالزور والبهتان ، قبحهما الله وقبح من قال بقولهما ، والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرءون عن هذه الوصمة القبيحة ، كيف وهي كفر عند كثيرين .

أقول : صانهما الله عن هذه السمة الشنيعة والنسبة الفظيعة ، ومن طالع شرح منازل السائرين لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري الحنبلي - قدس الله تعالى سره الجلي - وهو شيخ الإسلام عند الصوفية حال الإطلاق بالاتفاق ، تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة ، بل ومن أولياء هذه الأمة ، ومما ذكر في الشرح المذكور ما نصه على وفق المسطور هو قوله على بعض صباة المنازل ، وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنة ، ومقداره في العلم ، وأنه بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عاداتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك ، كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب ، والنواصب بأنهم روافض ، والمعتزلة بأنهم نوائب حشوية ، وذلك ميراث من أعداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رميه ورمي أصحابه ، بأنهم صراة قد ابتدعوا دينا محدثا ، وهذا ميراث لأهل الحديث والميمنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة ، وقدس الله روح الشافعي حيث يقول ، وقد نسب إليه الرفض :


إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي

ورضي الله عن شيخنا أبي عبد الله بن تيمية حيث يقول :


إن كان نصبا حب صحب محمد     فليشهد الثقلان أني ناصبي

وعفا الله عن الثالث حيث يقول :


فإن كان تجسيما ثبوت صفاته     وتنزيهها عن كل تأويل مفتر
فإني بحمد الله ربي مجسم     هلموا شهودا واملئوا كل محضر

[ ص: 2779 ] ثم بين في الشرح المذكور ما يدل على براءته من التشنيع المسطور ، والتقبيح المزبور ، وهو ما نصه : إن حفظه حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها ، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة ، ولا نعني بالعامة الجهال ، بل عامة الأمة ، كما قال مالك رحمه الله ، وقد سئل عن قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ ، فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء ، ثم قال : الاستواء معلوم ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .

فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة ، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر ، وهذا الجواب من مالك - رحمه الله - شاف عام في جميع مسائل الصفات من السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرحمة والضحك ، فمعانيها كلها معلومة ، وأما كيفيتها فغير معقولة ، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها ، فإذا كان ذلك غير معلوم ، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات ؟ والعصمة النافعة من هذا الباب أن يصف الله - بما وصف به نفسه : ووصف به رسوله من غير تحرير ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل يثبت له الأسماء والصفات ، وينفي عنه مشابهة المخلوقات ، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه ، ونفيك منزها عن التعطيل ، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ، ومن شبهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبه ، ومن قال : هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه اهـ كلامه . وتبين مرامه ، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف ، فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه ، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم ، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ما نصه : " وله تعالى يد ووجه ونفس ، فما ذكر الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ، ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته ; لأن فيه إبطال الصفة ، وهو قول أهل القدر والاعتزال ، ولكن يده صفته بلا كيف ، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف اهـ .

وحيث انتفى عنه اعتقاد التجسيم ، بالمعنى الذي ذكره في الحديث الكريم له وجه وجيه ظاهر ، وتوجيه لأهل - التنبيه باهر ، سواء رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في المنام ، أو تجلى الله - سبحانه - عليه بالتجلي الصوري المعروف عند أرباب الحال والمقام ، وهو أن يكون مذكرا بهيئته ، ومفكرا برؤيته الحاصلة من كمال تجليته ، والله أعلم بأحوال أنبيائه أو أصفيائه الذين رباهم بحسن تربيته ، وجلى مرائي قلوبهم بحسن تجليته ، حتى شهدوا مقام الحضور والبقاء ، وتخلصوا عن صداء الحظور والفناء ، رزقنا الله أشواقهم ، وأذاقنا أحوالهم وأخلاقهم ، وأحيانا على طريقتهم ، وأماتنا على محبتهم ، وحشرنا في زمرتهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية