صفحة جزء
[ ص: 2860 ] كتاب الطب والرقى

الفصل الأول

4514 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ) . رواه البخاري .


كتاب الطب والرقى

الطب : بكسر أوله وهو المشهور ، وقال السيوطي : هو مثلث الطاء علاج الأمراض ، ومداره على ثلاثة أشياء : حفظ الصحة ، والاحتماء عن المؤذي ، واستفراغ الأخلاط والمواد الفاسدة اهـ . وفي أساس البلاغة : جاء فلان يستطب لوجعه أي يستوصف الطبيب قال :

لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها

.

والرقى بضم الراء وفتح القاف جمع رقية ، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك ، هذا وقد روى البزار عن عروة قال : قلت لعائشة : إني أجدك عالمة بالطب ، فمن أين ؟ فقالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثرت أسقامه ، فكانت أطباء العرب والعجم ينعتون له فتعلمت ذلك . قال السيوطي : والأحاديث المأثورة في علمه - صلى الله عليه وسلم - بالطب لا تحصى ، وقد جمع منها دواوين ، واختلف في مبدأ هذا العلم على أقوال كثيرة ، والمختار أن بعضه علم بالوحي إلى بعض أنبيائه ، وسائره بالتجارب لما روى البزار والطبراني عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم : أن نبي الله سليمان كان إذا قام يصلي رأى شجرة ثابتة بين يديه فيقول لها : ما اسمك ؟ ، فتقول : كذا ، فيقول : لأي شيء أنت ؟ ، فتقول : لكذا ، فإن كانت لدواء كتبت ، وإن كانت من غرس غرست . الحديث . واعلم أن كل مصحح أو ممرض فبقدر الله تعالى يفعله عنده أو به ، فيه خلاف بين أهل السنة . ورجح الغزالي والسبكي الثاني ، روى الترمذي وابن ماجه حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال : هي من قدر الله ؟ " .

الفصل الأول

4514 - ( عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما أنزل الله ) : أي ما أحدث وأوجد ( داء ) : أي وجعا وبلاء ، ( إلا أنزل ) : أي قدر ( له شفاء ) : أي علاجا ودواء . قال الطيبي : أي ما أصاب الله أحدا بداء إلا قدر له دواء . ( رواه البخاري ) : وكذا النسائي ، وابن ماجه . وفي لفظ للبخاري : " إلا أنزل له الدواء " . وروى أحمد عن طارق بن شهاب ولفظه : " إن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له شفاء فعليكم بألبان البقر ; فإنها ترم من كل الشجر " . ورواه الحاكم عن ابن مسعود ولفظه : " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم فعليكم بألبان البقر ; فإنها ترم من كل الشجر " اهـ . وفيه إشارة إلى تركيب المعاجين لما في الجمعية من حصول الاعتدال ، وفي التنزيل أيضا إيماء إلى ذلك في قوله تعالى : ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ، هذا وروى أحمد عن أنس بلفظ : إن الله تعالى حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا . وروى الحاكم والبزار عن أبي سعيد : " إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل إلا السام " . قالوا : يا نبي الله وما السام ؟ قال : " الموت " . واعلم أن في هذه الأحاديث تقوية لنفس المريض والطبيب وحثا على طلب الدواء وتخفيفا للمريض ، فإن النفس إذا استوشفت أن لدائها دواء يزيد قوى رجائها ، وانبعث حارها الغريزي ، فتقوى الروح النفسانية والطبيعية والحيوانية بقوة هذه الأرواح تقوى القوى الحاملة لها فتدفع المرض وتقهره ، والمراد بالإنزال التقدير ، أو إنزال علمه على لسان تلك الأنبياء ، أو إلهام من يعتد بإلهامه من الأولياء على أن الأدوية المعنوية كصدق الاعتماد على الله تعالى ، والتوكل عليه ، والخضوع بين يديه ، وتفويض الأمر إليه مع الصدقة والإحسان ، والتفريج عن الكرب أصدق فعلا وأسرع نفعا من الأدوية الحسية ، لكن بشرط تصحيح النية ، ومن ثم ربما يتخلف الشفاء عمن استعمل طب النبوة لمانع قام به من ضعف اعتقاد الشفاء به ، وتلقيه بالقبول ، وهذا هو السبب أيضا في عدم نفع القرآن الكثيرين ، مع أنه شفاء لما في الصدور ، وقد طب - صلى الله عليه وسلم - كثيرا من الأمراض ، ومحل بسطها الطب النبوي ، وسائر السير من كتاب المواهب للقسطلاني ، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية وغيرهما .

[ ص: 2861 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية