صفحة جزء
الفصل الثاني

4832 - عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة ، ومن ترك وهو محق بني له في وسط الجنة ، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها " . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن . وكذا في " شرح السنة " . وفي " المصابيح " . قال : غريب .


الفصل الثاني

4832 - ( عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ترك الكذب ) أي : وقت مرائه كما يدل عليه القرينة الآتية ويحتمل الإطلاق والله أعلم . ( وهو باطل ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير عن الكذب ، فإن الأصل فيه أنه باطل أو جملة حالية من المفعول أي : والحال أنه باطل لا مصلحة فيه من مرخصات الكذب كما في الحرب ، أو إصلاح ذات البين والمعاريض ، أو حال من الفاعل أي : وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان . ( بني له ) : بصيغة المجهول وله نائبه أي : بنى الله له قصرا ( في ربض الجنة ) بفتح الراء والموحدة أي : نواحيها وجوانبها من داخلها لا من خارجها ، وأما قول شارح : هو ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع ، فهو صريح اللغة ، لكنه غير صحيح المعنى ، فإنه خلاف المنقول ، ويؤدي إلى المنزلة بين المنزلتين حسا كما قاله المعتزلة معنى ، فالصواب أن المراد به أدناها كما يدل عليه قوله : ( ومن ترك المراء ) : بكسر الميم أي : الجدال ( وهو محق ) أي : صادق ومتكلم بالحق ( بني له في وسط الجنة ) بفتح السين ويسكن أي : في أوسطها لتركه كسر قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه ، وإظهار نفاسة فضله ، وهذا يشعر بأن معنى صدر الحديث أن من ترك المراء وهو مبطل ، فوضع الكذب موضع المراء ؛ لأنه الغالب فيه ، أو المعنى أن من ترك الكذب ولو لم يترك المراء بني له في ربض الجنة ؛ لأنه حفظ نفسه عن الكذب ، لكن ما صانها عن مطلق المراء ، فلهذا يكون أحط مرتبة منه . ( ومن حسن ) : بتشديد السين أي : أحسن بالرياضة ( خلقه ) : بضمتين ويسكن اللام أي : جميع أخلاقه التي من جملتها المراء وترك الكذب ( بني له في أعلاها ) أي : حسا ومعنى ، وهذا يدل على أن الخلق مكتسب وإن كان أصله غريزيا ، ومنه خبر صحيح : اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي ، وكذا خبر مسلم : اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت . قال الإمام حجة الإسلام : حد [ ص: 3036 ] المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه ، إما لفظا أو معنى ، أو في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ، فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به ، وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه . ( رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن ) . وتمامه : لا يعرف إلا من حديث سلمة بن وردان . قال ميرك : نقلا عن التصحيح : وسلمة تكلم فيه ، لكن حسن حديثه الترمذي وللحديث شواهد اهـ . فالحديث حسن لذاته أو لغيره ( وكذا في شرح السنة ) أي : حسن ( وفي المصابيح قال : غريب ) أي : إسنادا لما سبق ، وهو لا ينافي كونه حسنا كما قررناه .

التالي السابق


الخدمات العلمية