صفحة جزء
4896 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا خير البرية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " ذاك إبراهيم " . رواه مسلم .


4896 - ( وعن أنس - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا خير البرية ) : بتشديد الياء ويجوز تسكينها وهمز بعدها ، ومعناها الخليقة ، ففي النهاية يقال : برأه الله يبرأ براء ، أي : خلقه ، ويجمع على البرايا ، والبريات من البري ، وهو التراب إذا لم يهمز ، ومن ذهب إلى أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي : خلقهم ، ثم ترك فيها الهمز تخفيفا ، ولم تستعمل مهموزة . قلت : بل المهموزة مشهورة متواترة ، قرأ بها الأحناف وابن ذكوان ، عن ابن عامل على الأصل ، والباقون بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء تخفيفا . ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : تواضعا لربه وأدبا مع جده ( ذاك ) أي : المشار إليه الموصوف بخير البرية هو ( إبراهيم ) .

[ ص: 3071 ] قال النووي : فيه وجوه ، أحدها : أنه قال هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم عليه السلام لخلته وأبوته ، وإلا فنبينا - صلى الله عليه وسلم - كما قال - صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " ، وثانيها : أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء ، فأخبر بفضيلة إبراهيم عليه السلام إلى أن علم تفضيل نفسه فأخبر به . قلت : وفيه أنه يحتاج إلى معرفة تاريخه ليدفع التعارض به ، وثالثها : أن المراد به أنه أفضل برية عصره ، فأطلق العبارة الموهمة للعموم ; لأنه أبلغ في التواضع . قلت : ومآل هذا يرجع إلى الأول ، مع أن كلا منهما أفضل برية عصره ليس فيه مزيد مزية قال : وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء عليهم السلام ، قلت : لا دلالة عليه في كل من الوجوه الثلاثة ، نعم أفضلية نبينا ثابتة بأدلة صحيحة صريحة كاد أن تكون المسألة قطعية ، بل إجماعية . منها حديث مسلم وأبي داود : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول مشفع " .

ومنها حديث الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، عن أبي سعيد " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر " . ومنها حديث الترمذي ، عن أبي هريرة : " أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري . وأمثال ذلك من الأحاديث كثيرة صحيحة شهيرة . مما يدل على سيادته وزيادته في سعادته ، وفي الأحاديث المسطورة إشعار بتأخير قوله : " أنا سيد ولد آدم " عن قوله : " ذاك إبراهيم " ; لأن الأوصاف المذكورة يوم القيامة لا تتصور أن تكون في المفضول ، مع أن النسخ لا يوجد في الأخبار ، هذا وقد قال بعض الشراح من علمائنا بحمل الحديث على أنه - صلى الله عليه وسلم - قاله تواضعا ، ليوافق الأحاديث الدالة على فضله على سائر البشر ، أو على أن إبراهيم كأنه يدعى بهذا النعت حتى صار علما له الخليل ، فقال : " ذاك إبراهيم " ، أي : المدعو بهذه التسمية إبراهيم إجلالا له يعني من التشريك ، فيكون معنى خير البرية راجعا إلى من خلق دون من لم يخلق بعده ، ولم يكن ذكر البرية على العموم ، فلم يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غمارهم . اهـ ، وحاصله أنه - صلى الله عليه وسلم - يستثنى منهم إما بطريق النقل وهو ما ذكرنا ، وإما بطريق العقل ، فإن المتكلم عند بعض الأصوليين غير داخل في أمره وخبره والله أعلم . ( رواه مسلم ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية