إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

صفحة جزء
407 - الحديث الثالث : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { انتدب الله - ، ولمسلم : تضمن الله - لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ، وإيمان بي ، وتصديق برسلي فهو علي ضامن : أن أدخله الجنة ، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة } .

408 - ، ولمسلم { مثل المجاهد في سبيل الله - ، والله أعلم بمن جاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم ، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه : أن يدخله الجنة ، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة } .


" الضمان ، والكفالة " ههنا : عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله سبحانه وتعالى فإن الضمان ، والكفالة : مؤكدان لما يضمن ، ويتكفل به ، وتحقيق ذلك من لوازمهما . [ ص: 687 ] وقوله " لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ، وإيمان بي " دليل على أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صحت نيته ، وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيوية فإنه ذكر بصيغة النفي والإثبات المقتضيين للحصر ، وقوله " فهو علي ضامن " قيل : إن فاعلا ههنا بمعنى مفعول ، كما قيل في " ماء دافق " و " عيشة راضية " أي مدفوق ، ومرضية ، على احتمال هاتين اللفظتين لغير ذلك ، وقد يقال إن " ضامنا " بمعنى ذا ضمان ، كلابن ، وتامر ، ويكون الضمان ليس منه ، وإنما نسب إليه لتعلقه به والعرب تضيف لأدنى ملابسة ، وقوله " أرجعه " مفتوح الهمزة مكسور الجيم من رجعه ، ثلاثيا متعديا ، ولازمه ، ومتعديه ، واحد : قال الله تعالى { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } قيل : إن هذا الحديث معارض للحديث الآخر ، وهو قوله عليه السلام { ما من غازية ، أو سرية ، تغزو ، فتغنم ، وتسلم ، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم ، وما من غازية أو سرية تغزو ، فتخفق أو تصاب إلا تم لهم أجرهم }

، والإخفاق : أن تغزو فلا تغنم شيئا ذكر القاضي معنى ما ذكرناه من المعارضة عن غير واحد ، وعندي : أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته ، ويبعد جدا أن يقال بتعارضهما . نعم ، كلاهما مشكل . أما ذلك الحديث : فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة ، وأما هذا : فلأن " أو " تقتضي أحد الشيئين ، لا مجموعهما فيقتضي : إما حصول الأجر أو الغنيمة ، وقد قالوا : لا يصح أن تنقص الغنيمة من أجر أهل بدر ، وكانوا أفضل المجاهدين ، وأفضلهم غنيمة ويؤكد هذا : تتابع فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه من بعده على أخذ الغنيمة ، وعدم التوقف عنها ، وقد اختلفوا - بسبب هذا الإشكال - في الجواب

فمنهم من جنح إلى الطعن في ذلك الحديث وقال : إنه لا يصح ، وزعم أن بعض رواته ليس بمشهور ، وهذا ضعيف ; لأن مسلما أخرجه في كتابه ، ومنهم من قال : إن هذا [ ص: 688 ] الذي تعجل من أجره بالغنيمة : في غنيمة أخذت على غير وجهها ، قال بعضهم : وهذا بعيد لا يحتمله الحديث ، وقيل : إن هذا الحديث - أعني الذي نحن في شرحه - شرط فيه ما يقتضي الإخلاص ، والحديث الذي في نقصان الأجر : يحمل على من قصد مع الجهاد : طلب المغنم فهذا شرك بما يجوز له التشريك فيه ، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره ، والأول : أخلص ، فكمل أجره . قال القاضي : وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجهيهما أيضا : أن نقص أجر الغانم بما فتح الله عز وجل عليه من الدنيا ، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا ، وذهاب شظف عيشه في غزوه ، وبعده ، إذا قوبل بمن أخفق ، ولم يصب منها شيئا ، وبقي على شظف عيشه ، والصبر على غزوه في حاله ، وجد أجر هذا أبدا في ذلك وافيا مطردا ، بخلاف الأول ، ومثله في الحديث الآخر { فمنا من مات ، ولم يأكل من أجره شيئا ومنا من أينعت له ثمرته ، فهو يهدبها } ، وأقول : أما التعارض بين الحديثين : فقد نبهنا على بعده فأما الإشكال في الحديث الثاني : فظاهره جار على القياس ; لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات ، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته ، أو لمشقته دخل في الأجر ، وإنما يشكل عليه العمل المتصل بأخذ الغنائم فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض فإن ذلك الزمن كان الإسلام فيه غريبا - أعني ابتداء زمن النبوة - ، وكان أخذ الغنائم عونا على علو الدين ، وقوة المسلمين ، وضعفاء المهاجرين ، وهذه مصلحة عظمى قد يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو هو ، وأما ما قيل في أهل بدر : فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى الغير ، وليس ينبغي أن يكون كذلك ، بل ينبغي أن يكون التقابل بين كمال أجر الغازي نفسه إذا لم يغنم ، وأجره إذا غنم .

فيقتضي هذا : أن يكون حالهم عند عدم الغنيمة : أفضل من حالهم عند وجودها ، لا من حال غيرهم ، وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعا ، فمن وجه آخر . لكن لا بد - من هذا - من اعتبار المعارض الذي ذكرناه فلعله مع اعتباره لا يكون ناقصا ، ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحديث [ ص: 689 ] الثاني ، أو حال من يقاربهم في المعنى . وأما هذا الحديث الذي نحن فيه : فإشكاله من كلمة " أو " أقوى من ذلك الحديث فإنه قد يشعر بأن الحاصل : إما أجر ، وإما غنيمة فيقتضي أنه إذا حصلنا الغنيمة : يكتفى بها له ، وليس كذلك .

وقيل في الجواب عن هذا : بأن " أو " بمعنى الواو ، وكأن التقدير : بأجر ، وغنيمة وهذا - وإن كان فيه ضعف من جهة العربية - ففيه إشكال ، من حيث إنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين : كان ذلك داخلا في الضمان فيقتضي أنه لا بد من حصول أمرين لهذا المجاهد إذا رجع مع رجوعه ، وقد لا يتفق ذلك ، بأن يتلف ما حصل في الرجوع من الغنيمة اللهم إلا أن يتجوز في لفظة " الرجوع إلى الأهل " أو يقال : المعية في مطلق الحصول ، لا في الحصول في الرجوع ، ومنهم من أجاب بأن التقدير : أو أرجعه إلى أهله ، مع ما نال من أجر ، وحده ، أو غنيمة ، وأجر فحذف " الأجر " من الثاني ، وهذا لا بأس به ; لأن المقابلة إنما تشكل إذا كانت بين مطلق الأجر ، وبين الغنيمة مع الأجر وأما مع الأجر المفيد بانفراده عن الغنيمة فلا .

التالي السابق


الخدمات العلمية