إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

صفحة جزء
115 - الحديث الخامس : عن جابر بن عبد الله { أن معاذ بن جبل : كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة . ثم يرجع إلى قومه ، فيصلي بهم تلك الصلاة } .


اختلف الفقهاء في جواز اختلاف نية الإمام والمأموم على مذاهب . أوسعها : الجواز مطلقا . فيجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل وعكسه ، والقاضي بالمؤدي وعكسه ، سواء اتفقت الصلاتان أم لا ، إلا أن تختلف الأفعال الظاهرة . وهذا مذهب الشافعي .

[ ص: 299 ] الثاني : مقابله ، وهو أضيقها . وهو أنه لا يجوز اختلاف النيات ، حتى لا يصلي المتنفل خلف المفترض والثالث : أوسطها ، أنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض ، لا عكسه . وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . ومن نقل عن مذهب مالك مثل المذهب الثاني فليس بجيد . فليعلم ذلك . وحديث معاذ : استدل به على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل . وحاصل ما يعتذر به عن هذا الحديث ، لمن منع ذلك من وجوه :

أحدها : أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم . وشرطه : علمه بالواقعة . وجاز أن لا يكون علم بها ، وأنه لو علم لأنكر . وأجيبوا على ذلك بأنه يبعد - أو يمتنع - في العادة : أن لا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك من عادة معاذ . واستدل بعضهم - أعني المانعين - برواية عمرو بن يحيى المازني عن معاذ بن رفاعة الزرقي { أن رجلا من بني سلمة يقال له : سليم ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نظل في أعمالنا . فنأتي حين نمسي ، فنصلي ، فيأتي معاذ بن جبل ، فينادي بالصلاة . فنأتيه ، فيطول علينا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، لا تكن أو لا تكونن - فتانا ، إما أن تصلي معي ، وإما أن تخفف عن قومك } قال : فقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ : يدل على أنه عند رسول الله كان يفعل أحد الأمرين ، إما الصلاة معه ، أو بقومه ، وأنه لم يكن يجمعهما . لأنه قال : " إما أن تصلي معي " أي ولا تصل بقومك " وإما أن تخفف بقومك " أي ولا تصل معي .

الوجه الثاني : في الاعتذار : أن النية أمر باطن لا يطلع عليه إلا بالإخبار من الناوي . فجاز أن تكون نيته مع النبي صلى الله عليه وسلم الفرض . وجاز أن تكون النفل ، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما . وإنما يعرف ذلك بإخباره . [ ص: 300 ] وأجيب عن هذا بوجوه :

أحدها : أنه قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطني فيها " فهي لهم فريضة ، وله تطوع .

الثاني : أنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي بها مع قومه .

الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة } فكيف يظن بمعاذ - بعد سماع هذا - أن يصلي النافلة من قيام المكتوبة ؟ واعترض بعض المالكية على الوجه الأول بوجهين :

أحدهما : لا يساوي أن يذكر ، لشدة ضعفه .

والثاني : أن هذا الكلام - أعني قوله " فهي لهم فريضة وله تطوع " - ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . فيحتمل أن يكون من كلام الراوي ، بناء على ظن أو اجتهاد ، ولا يجزم به . وذكر معنى هذا أيضا بعض الحنفية ممن له شرب في الحديث ، وقال ما حاصله : إن ابن عيينة روى هذا الحديث أيضا ، ولم يذكر هذه اللفظة . والذي ذكرها . هو ابن جريج . فيحتمل أن تكون من قوله ، أو قول من روى عنه ، أو قول جابر . وأما الجواب الثاني : ففيه نوع ترجيح ، ولعل خصومهم يقولون فيه : إن هذا إنما يكون عند اعتقاده الجواز لذلك . فلم قلتم بأنه كان يعتقده ؟ وأما الجواب الثالث : فيمكن أن يقال فيه : إن المفهوم أن لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام ، لأن المحذور : وقوع الخلاف على الأئمة ، وهذا المحذور منتف مع الاتفاق في الصلاة المقامة . ويؤيد هذا : الاتفاق من الجمهور على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض ، ولو تناوله النهي المستفاد من النفي : لما جاز جوازا مطلقا .

الوجه الثالث من الاعتذار : ادعاء النسخ وذلك من وجهين :

أحدهما : أنه يحتمل أن يكون ذلك حين كانت الفرائض تقام في اليوم مرتين ، حتى نهي عنه . وهذا الوجه منقول المعنى عن الطحاوي . وعليه اعتراض [ ص: 301 ] من وجهين :

أحدهما : طلب الدليل على كون ذلك كان واقعا - أعني صلاة الفريضة في اليوم مرتين فلا بد من نقل فيه .

والثاني : أنه إثبات للنسخ بالاحتمال .

الوجه الثاني مما يدل على النسخ . ما أشار إليه بعضهم ، دون تقرير حسن له . ووجه تقريره : أن إسلام معاذ متقدم ، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعده سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة على وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف . فيقال : لو جاز صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا يقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة . وحيث صليت على هذا الوجه ، مع إمكان دفع المفسدات - على تقدير جواز صلاة المفترض خلف المتنفل - دل على أنه لا يجوز ذلك . وبعد ثبوت هذه الملازمة : يبقى النظر في التاريخ وقد أشير بتقدم إسلام معاذ إلى ذلك ، وفيه ما تقدمت الإشارة إليه .

الوجه الرابع من الاعتذار عن الحديث : ما أشار إليه بعضهم ، من أن الضرورة دعت إلى ذلك ، لقلة القراء في ذلك الوقت ، ولم يكن لهم غنى عن معاذ ولم يكن لمعاذ غنى عن صلاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يحتمل أن يريد به قائله معنى النسخ ، فيكون كما تقدم . ويحتمل أن يريد : أنه مما أبيح بحالة مخصوصة ، فيرتفع الحكم بزوالها ، ولا يكون نسخا . وعلى كل حال : فهو ضعيف لعدم قيام الدليل على تعين ما ذكره هذا القائل علة لهذا الفعل ، ولأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة . ليس حفظته بقليل ، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة : فلا يصلح أن يكون سببا لارتكاب ممنوع شرعا ، كما يقوله هذا المانع . فهذا مجامع ما حضر من كلام الفريقين ، مع تقرير لبعضه فيما يتعلق بهذا [ ص: 302 ] الحديث ، وما زاد على ذلك من الكلام على أحاديث أخر ، والنظر في الأقيسة فليس من شرط هذا الكتاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية