إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

صفحة جزء
214 - الحديث الأول : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : { أن رجلا قال يا رسول الله ، ما يلبس المحرم من الثياب ؟ قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم . لا يلبس القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس } . وللبخاري { ولا تنتقب المرأة . ولا تلبس القفازين } .


فيه مسائل . الأولى : أنه وقع السؤال عما يلبس المحرم . فأجيب بما لا يلبس ; لأن ما لا يلبس محصور . وما يلبس غير محصور . إذ الإباحة هي الأصل . وفيه تنبيه على أنه كان ينبغي وضع السؤال عما لا يلبس . وفيه دليل على أن المعتبر [ ص: 435 ] في الجواب : ما يحصل منه المقصود كيف كان . ولو بتغيير أو زيادة .

ولا تشترط المطابقة .

الثانية : اتفقوا على المنع من لبس ما ذكر في الحديث . والفقهاء القياسيون عدوه إلى ما رأوه في معناه . فالعمائم والبرانس : تعدى إلى كل ما يغطي الرأس ، مخيطا أو غيره . ولعل " العمائم " تنبيه على ما يغطيها من غير المخيط ، و " البرانس " تنبيه على ما يغطيها من المخيط . فإنه قيل : إنها قلانس طوال كان يلبسها الزهاد في الزمان الأول . والتنبيه بالقمص على تحريم المحيط بالبدن ، وما يساويه من المنسوج . والتنبيه بالخفاف والقفازين - وهو ما كانت النساء تلبسه في أيديهن - وقيل : إنه كان يحشى بقطن ويزر بأزرار . فنبه بهما على كل ما يحيط بالعضو الخاص إحاطة مثله في العادة . ومنه السراويلات ، لإحاطتها بالوسط إحاطة المحيط . .

الثالثة : إذا لم يجد نعلين لبس خفين مقطوعين من أسفل الكعبين . وعند الحنبلية لا يقطعهما . وهذا الحديث يدل على خلاف ما قالوه . فإن الأمر بالقطع ههنا مع إتلافه المالية يدل على خلاف ما قالوه .

الرابعة : اللبس عند الفقهاء : محمول على اللبس المعتاد في كل شيء مما ذكر . فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه ; لأن اللبس المعتاد في القميص غير الارتداء . واختلفوا في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين . ومن أوجب الفدية : جعل ذلك من المعتاد فيه أحيانا . واكتفى في التحريم فيه بذلك . .

الخامسة : لفظ " المحرم " يتناول من أحرم بالحج والعمرة معا . و " الإحرام " الدخول في أحد النسكين ، والتشاغل بأعمالهما . وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة " الإحرام " جدا . ويبحث فيه كثيرا . وإذا قيل له : إنه النية ، اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره . ويعترض على أنه " التلبية " بأنها ليست [ ص: 436 ] بركن . والإحرام ركن . هذا أو ما قرب منه . وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء . .

السادسة : المنع من " الزعفران والورس " وهو نبت يكون باليمن يصبغ به : دليل على المنع من أنواع الطيب . وعداه القائسون إلى ما يساويه في المعنى من المطيبات . وما اختلفوا فيه فاختلافهم بناء على أنه من الطيب أم لا ؟ .

السابعة : نهي المرأة عن التنقب والقفازين يدل على أن حكم إحرام المرأة يتعلق بوجهها وكفيها . والسر في ذلك ، وفي تحريم المخيط وغيره مما ذكر - والله أعلم - مخالفة العادة ، والخروج من المألوف لإشعار النفس بأمرين :

أحدهما : الخروج عن الدنيا ، والتذكر للبس الأكفان عند نزع المخيط .

والثاني : تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها وذلك موجب للإقبال عليها ، والمحافظة على قوانينها وأركانها ، وشروطها وآدابها . والله أعلم . .

التالي السابق


الخدمات العلمية