إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

صفحة جزء
219 - الحديث الأول : [ ص: 443 ] عن { أبي شريح - خويلد بن عمرو - الخزاعي العدوي رضي الله عنه : أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص - وهو يبعث البعوث إلى مكة - ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح . فسمعته أذناي . ووعاه قلبي . وأبصرته عيناي ، حين تكلم به : أنه حمد الله وأثنى عليه . ثم قال : إن مكة حرمها الله تعالى ، ولم يحرمها الناس . فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر : أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة . فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم . وإنما أذن لي ساعة من نهار . وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس . فليبلغ الشاهد الغائب . فقيل لأبي شريح : ما قال لك ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ولا فارا بخربة } .


. " الخربة " بالخاء المعجمة والراء المهملة : هي الخيانة . وقيل : البلية وقيل : التهمة . وأصلها في سرقة الإبل . قال الشاعر :

وتلك قربى مثل أن تناسبا أن تشبه الضرائب الضرائبا     والخارب اللص يحب الخاربا

.

الكلام عليه من وجوه :

الأول : " أبو شريح " الخزاعي ، ويقال فيه : العدوي ويقال : الكعبي ، اسمه : خويلد بن عمرو - وقيل : عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن بن عمرو . وقيل هانئ بن عمرو - أسلم قبل فتح مكة . وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين .

[ ص: 444 ] الثاني : قول " ائذن لي أيها الأمير في أن أحدثك " فيه حسن الأدب في المخاطبة للأكابر - لا سيما الملوك - لا سيما فيما يخالف مقصودهم ; لأن ذلك يكون أدعى للقبول ، لا سيما في حق من يعرف منه ارتكاب غرضه ، فإن الغلظة عليه قد تكون سببا لإثارة نفسه ، ومعاندة من يخاطبه .

وقوله " أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسمعته أذناي . ووعاه قلبي " تحقيق لما يريد أن يخبر به . وقوله " سمعته أذناي " نفي لوهم أن يكون رواه عن غيره وقوله " ووعاه قلبي " تحقيق لفهمه ، والتثبت في تعقل معناه .

الثالث : قوله " فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر : أن يسفك بها دما " يؤخذ منه أمران :

أحدهما : تحريم القتال بمكة لأهل مكة . وهو الذي يدل عليه سياق الحديث ولفظه . وقد قال بذلك بعض الفقهاء . قال القفال في شرح التلخيص ، في أول كتاب النكاح ، في ذكر الخصائص : لا يجوز القتال بمكة . قال : حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم فيها وحكى الماوردي أيضا : أن من خصائص الحرم : أن لا يحارب أهله إن بغوا على أهل العدل . فقد قال بعض الفقهاء : يحرم قتالهم ، بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ، ويدخلوا في أحكام أهل العدل ، قال وقال جمهور الفقهاء : يقاتلون على البغي إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال ; لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها ، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها .

وقيل : إن هذا الذي نقله عن جمهور الفقهاء : نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث من كتب الأم ونص عليه أيضا في آخر كتابه المسمى بسير الواقدي . وقيل : إن الشافعي أجاب عن الأحاديث : بأن معناها تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم ، كالمنجنيق وغيره ، إذا لم يمكن إصلاح الحال بدون ذلك ، بخلاف ما إذا انحصر الكفار في بلد آخر . فإنه يجوز قتالهم على كل وجه ، وبكل شيء . والله أعلم .

وأقول : هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي ، الذي دل عليه عموم النكرة في سياق النفي ، في قوله صلى الله عليه وسلم { فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما } وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين خصوصيته لإحلالها له ساعة من نهار وقال " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " فأبان بهذا اللفظ : أن المأذون للرسول صلى الله عليه وسلم فيه لم يؤذن فيه لغيره . والذي أذن [ ص: 445 ] للرسول فيه : إنما هو مطلق القتال ، ولم يكن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم ، كما حمل عليه الحديث في هذا التأويل وأيضا فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها وسفك الدم . وذلك لا يختص بما يستأصل . وأيضا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعين هذا الوجه بعينه لأن يحمل عليه الحديث . فلو أن قائلا أبدى معنى آخر ، وخص به الحديث : لم يكن بأولى من هذا .

والأمر الثاني : يستدل به أبو حنيفة في أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل به . لقوله عليه السلام { لا يحل لامرئ أن يسفك بها دما } وهذا عام تدخل فيه صورة النزاع قال : بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم ، فيقتل خارجه ، وذلك بالتضييق عليه .

الرابع " العضد " القطع ، عضد - بفتح الضاد في الماضي يعضد - بكسر الضاد : يدل على تحريم قطع أشجار الحرم ، واتفقوا عليه فيما لا يستنبته الآدميون في العادة واختلف الفقهاء فيما يستنبته الآدميون . والحديث عام في عضد ما يسمى شجرا .

الخامس : قد يتوهم أن قوله عليه السلام { لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر } أنه يدل على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة . والصحيح عند أكثر الأصوليين : أنهم مخاطبون . وقال بعضهم في الجواب عن هذا التوهم : لأن المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا ، وينزجر عن محرمات شرعنا ، ويستثمر أحكامه . فجعل الكلام فيه ، وليس فيه : أن غير المؤمن لا يكون مخاطبا بالفروع .

وأقول : الذي أراه إن هذا الكلام من باب خطاب التهييج ، فإن مقتضاه : أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر ، بل ينافيه : هذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف . ولو قيل : لا يحل لأحد مطلقا ، لم يحصل به الغرض . وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان ومنه قوله تعالى { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } إلى غير ذلك .

السادس : فيه دليل على أن مكة فتحت عنوة . وهو مذهب الأكثرين . وقال الشافعي وغيره : فتحت صلحا ، وقيل في تأويل الحديث : إن القتال كان جائزا [ ص: 446 ] له صلى الله عليه وسلم في مكة فلو احتاج إليه لفعله . ولكن ما احتاج إليه .

وهذا التأويل : يضعفه قوله عليه السلام { فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم } فإنه يقتضي وجود قتال منه صلى الله عليه وسلم ظاهرا . وأيضا السير التي دلت على وقوع القتال ، وقوله عليه السلام { من دخل دار أبي سفيان فهو آمن } إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة ، تبعد هذا التأويل أيضا .

السابع قوله " فليبلغ الشاهد الغائب " فيه تصريح بنقل العلم ، وإشاعة السنن والأحكام .

وقول عمرو " أنا أعلم منك بذلك يا أبا شريح - إلى آخره " هو كلامه . ولم يسنده إلى رواية . وقوله " لا يعيذ عاصيا " أي لا يعصمه . وقوله " ولا فارا بخربة " قد فسرها المصنف ، ويقال فيها : بضم الخاء وأصلها : سرقة الإبل ، كما قال . وتطلق على كل خيانة . وفي صحيح البخاري " أنها البلية " وعن الخليل أنه قال : هي الفساد في الدين ، من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض ، وقيل : هي العيب .

التالي السابق


الخدمات العلمية