إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

صفحة جزء
252 - الحديث الثاني : عن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه { أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بودان - فرده عليه . فلما رأى ما في وجهي ، قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم } وفي لفظ لمسلم " رجل حمار " وفي لفظ " شق حمار " وفي لفظ " عجز حمار " .


وجه هذا الحديث : أنه ظن أنه صيد لأجله والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله " الصعب " بالصاد المهملة والعين المهملة أيضا و " جثامة " بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة وفتح الميم . [ ص: 486 ] وقوله " أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم " الأصل : أن يتعدى " أهدى " بإلى ، وقد يتعدى باللام ، ويكون بمعناه . وقد يحتمل أن تكون اللام بمعنى " أجل " وهو ضعيف .

وقوله حمارا وحشيا " ظاهره : أنه أهداه بجملته وحمل على أنه كان حيا . وعليه يدل تبويب البخاري رحمه الله وقيل : إنه تأويل مالك رحمه الله وعلى مقتضاه : يستدل بالحديث على منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك بالهدية ، ويقاس عليها : ما في معناها من البيع والهبة ، إلا أنه رد هذا التأويل بالروايات التي ذكرها المصنف عن مسلم ، من قوله " عجز حمار ، أو شق حمار ، أو رجل حمار " فإنها قوية الدلالة على كون المهدى بعضا وغير حي . فيحتمل قوله " حمارا وحشيا " المجاز . وتسمية البعض باسم الكل ، أو فيه حذف مضاف ، ولا تبقى فيه دلالة على ما ذكر من تملك الصيد بالهبة على هذا التقدير .

وقوله صلى الله عليه وسلم " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " . " إنا " الأولى مكسورة الهمزة ; لأنها ابتدائية . والثانية مفتوحة ; لأنها حذف منها اللام التي للتعليل . وأصله : إلا لأنا .

وقوله " لم نرده " المشهور عند المحدثين : فيه فتح الدال . وهو خلاف مذهب المحققين من النحاة ، ومقتضى مذهب سيبويه . وهم ضم الدال . وذلك في كل مضاعف مجزوم ، أو موقوف ، اتصل به هاء ضمير المذكر . وذلك معلل عندهم بأن الهاء حرف خفي ، فكأن الواو تالية للدال ، لعدم الاعتداد بالهاء ، وما قبل الواو : يضم . وعبروا عن ضمتها بالاتباع لما بعدها . وهذا بخلاف ضمير المؤنث إذا اتصل بالمضاعف المشدد . فإنه يفتح باتفاق . وحكي في مثل هذا الأول الموقوف لغتان أخريان . إحداهما : الفتح ، كما يقول المحدثون . والثانية : الكسر . وأنشد فيه :

قال أبو ليلى لحبلى مده حتى إذا مددته فشده     إن أبا ليلى نسيج وحده



. وقوله عليه السلام " إلا أنا حرم " يتمسك به في منع أكل المحرم لحم الصيد مطلقا فإنه علل ذلك بمجرد الإحرام . والذين أباحوا أكله : لا يكون مجرد [ ص: 487 ] الإحرام عندهم علة وقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رده ; لأنه صيد لأجله ، جمعا بينه وبين حديث أبي قتادة ، و " الحرم " جمع حرام .

و " الأبواء " بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد . و " ودان " بفتح الواو وتشديد الدال ، آخره نون : موضعان معروفان فيما بين مكة والمدينة .

ولمسألة أكل المحرم الصيد ، تعلق بقوله تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وهل المراد بالصيد : نفس الاصطياد ، أو المصيد ؟ وللاستقصاء فيه موضع غير هذا . ولكن تعليل النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم حرم قد يكون إشارة إليه .

وفي اعتذار النبي صلى الله عليه وسلم للصعب : تطييب لقلبه ، لما عرض له من الكراهة في رد هديته . ويؤخذ منه : استحباب مثل ذلك من الاعتذار .

وقوله " فلما رأى ما في وجهي " يريد من الكراهة بسبب الرد .

التالي السابق


الخدمات العلمية