فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
المستخرجات .


33 - واستخرجوا على الصحيح كأبي عوانة ونحوه واجتنب      34 - عزوك ألفاظ المتون لهما
إذ خالفت لفظا ومعنى ربما      35 - وما يزيد فاحكمن بصحته
فهو مع العلو من فائدته      36 - والأصل يعني البيهقي ومن عزا
وليت إذ زاد الحميدي ميزا

.

والاستخراج أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلا ، فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه ، غير ملتزم فيها ثقة الرواة ، وإن شذ بعضهم حيث جعله شرطا ، من غير طريق البخاري إلى أن يلتق معه في شيخه ، أو في شيخ شيخه ، وهكذا ولو في الصحابي كما صرح به بعضهم .

لكن لا يسوغ للمخرج العدول عن الطريق التي يقرب اجتماعه مع مصنف الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلا لغرض من علو ، أو زيادة حكم مهم ، أو نحو ذلك .

ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلا ، ولم يتحد سنده عندهما ، ثم اجتمع في الصحابي إدخاله فيه ، وإن صرح بعضهم بخلافه ، وربما عز على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلا ، أو يعلقه عن بعض رواته ، أو يورده من جهة مصنف الأصل .

[ ص: 58 ] ( و ) قد ( استخرجوا ) أي : جماعة من الحفاظ ( على الصحيح ) لكل من البخاري ومسلم الذي انجر الكلام بسببهما إلى بيانه ، وإلا فقد استخرجوا على غيرهما من الكتب .

والذين تقيدوا بالاستخراج على الصحيح جماعة ( كـ ) الحافظ ( أبي عوانة ) بالصرف للضرورة ، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني الشافعي ، استخرج على مسلم ( ونحوه ) أي : أبي عوانة ، كالحفاظ الشافعية : أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي على البخاري فقط ، وأحمد بن محمد بن أحمد الخوارزمي البرقاني ، بتثليث الموحدة ، وأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني ، كلاهما عليهما ، وهما في عصر واحد ، والذي قبلهما شيخ أولهما ، وهو تلميذ أبي عوانة .

ولذا خص بالتصريح به ، ولم يلاحظ كون غيره استخرج على الصحيحين ، أو على البخاري الذي هو أعلى ، لا سيما وهو مناسب للباب قبله لما اختص به كتابه من زيادات متون مستقلة ، وطرق متعددة غير ما اشترك مع غيره فيه [ من زيادة مستقلة في أحاديثهما ونحوها كما بينته قريبا ] .

وإنما وقعت الزيادات في المستخرجات لعدم التزام مصنفيها لفظ الصحيحين .

( و ) لهذا قيل للناقل ( اجتنب عزوك ألفاظ المتون ) أي : الأحاديث التي تنقلها منها ( لهما ) أي : للصحيحين ، فلا تقل حيث تورده للحجة كالتصنيف على الأبواب ، [ ص: 59 ] حسبما قيده ابن دقيق العيد : أخرجه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، إلا بعد مقابلته أو تصريح المخرج بذلك .

( إذ ) قد ( خالفت ) المستخرجات ( لفظا ) كثيرا لتقيد مؤلفيها بألفاظ رواياتهم ( و ) كذا ( معنى ) غير مناف ( ربما ) خالفت أي : قليلا .

( و ) إذا كان كذلك ، فانظر ( ما تزيد ) بالمثناة الفوقانية ، أو التحتانية أي : المستخرجات أو المستخرج .

( فاحكمن ) بنون التوكيد الخفيفة ( بصحته ) ، بشرط ثبوت الصفات المشترطة في الصحة للرواة الذين بين المخرج والراوي الذي اجتمعا فيه ، كما يرشد إليه التعليل بأنها خارجة من مخرج الصحيح ، فالمستخرجون ليس جل قصدهم إلا العلو ، يجتهدون أن يكونوا هم والمخرج عليه سواء ، فإن فاتهم فأعلى ما يقدرون عليه - كما صرح به بعض الحفاظ - مما يساعده الوجدان .

وقد لا يتهيأ لهم علو فيوردونه نازلا ، وإذا كان القصد إنما هو العلو ووجدوه ، فإن اتفق فيه شرط الصحيح فذاك الغاية ، وإلا فقد حصلوا على قصدهم ، فرب حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلا ، فأورده المخرج من طريق آخر ممن تكلم فيه عن الزهري بزيادة ، فلا يحكم لها حينئذ بالصحة .

وقد خرج الإسماعيلي في مستخرجه لإبراهيم بن الفضل المخزومي ، وهو ضعيف عندهم ، وأبو نعيم لمحمد بن الحسن بن زبالة ، وقد اتهموه ، وإذا حكمت بالصحة بشرطها وعدم منافاتها ، ( فهو ) أي : الحكم بالصحة للزيادة الدالة على حكم لا يدل له حديث الأصل ، أو الموضحة لمعنى لفظه ( مع ) ما تشتمل عليه المستخرجات من ( العلو ) الذي هو - كما قرر - قصد المخرج في أحاديث [ ص: 60 ] الكتاب بالنسبة لما لو أورده من الأصل .

مثاله حديث في جامع عبد الرزاق ، فلو رواه أبو نعيم مثلا من طريق أحد الشيخين ، لم يصل إليه إلا بأربعة ، وإذا رواه عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه ، وصل باثنين ( من فائدته ) أي : الاستخراج إلى غير ذلك من الفوائد التي أوردت منها في النكت نحو العشرين .

ثم إن أصحاب المستخرجات غير منفردين بصنيعهم ، بل أكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم ، وكذا للأبواب ، يوردون الحديث بأسانيدهم ، ثم يصرحون بعد انتهاء سياقه غالبا بعزوه إلى البخاري أو مسلم ، أو إليهما معا ، مع اختلاف الألفاظ وغيرها ، يريدون أصله .

( و ) لذلك ( الأصل ) بالنصب مفعول مقدم ، لا الألفاظ ( يعني ) الحافظ الفقيه ناصر السنة أبا بكر أحمد بن الحسين ، ( البيهقي ) نسبة لـ " بيهق " قرى مجتمعة بنواحي نيسابور ، الشافعي في تصانيفه ، " كـالسنن الكبرى " " والمعرفة " .

( ومن عزا ) للشيخين أو أحدهما ; كالإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي في شرح السنة وغيره ، ممن أشرت إليهم ، وذلك في المشيخات ونحوها أسهل منه في الأبواب ، خصوصا مع تفاوت المعنى ، وكون القصد بالتبويب منه ليس عند صاحب الصحيح ، ولذلك استنكره ابن دقيق العيد فيها .

ولكن جلالة البيهقي ووفور إمامته تمنع ظن ارتكابه المحذور منه ، [ ولو [ ص: 61 ] بمجرد الصحة ، إن لم يكن على شرط المعزو إليه أو فيه ] ، وعلى تقدير تجويز ذلك في غيره .

فالإنكار فيه أخف ممن عمد إلى الصحيحين ، فجمع بينهما لا على الأبواب ، بل على مسانيد الصحابة بحذف أسانيدهم ، ويدرج في أثناء أحاديثهما ألفاظا من المستخرجات وغيرها ; لأن موضوعه الاقتصار عليهما ، فإدخال غير ذلك مخل .

( وليت إذ زاد ) الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ( الحميدي ) بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الأندلسي القرطبي فاعل ، ذلك في جمعه ( ميزا ) فإنه ربما يسوق الحديث الطويل ناقلا له من مستخرج البرقاني أو غيره ، ثم يقول : اختصره البخاري ، فأخرج طرفا منه ، ولا يبين القدر المقتصر عليه ، فيلتبس على الواقف عليه ، ولا يميزه إلا بالنظر في أصله ، ولكنه في الكثير يميز بأن يقول بعد سياق الحديث بطوله : اقتصر منه البخاري على كذا ، وزاد فيه البرقاني مثلا كذا .

ولأجل هذا وما يشبهه ، انتقد ابن الناظم وشيخنا دعوى عدم التمييز ، خصوصا وقد صرح العلائي ببيان الحميدي للزيادة ، وهو كذلك ، لكن في بعضها ما لا يتميز كما قررته ، وبالجملة فيأتي في النقل منه ومن البيهقي ونحوه ما سبق في المستخرجات .

التالي السابق


الخدمات العلمية