فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
مراتب الصحيح .


37 - وأرفع الصحيح مرويهما ثم البخاري فمسلم فما      38 - شرطهما حوى فشرط الجعفي
فمسلم فشرط غير يكفي [ ص: 62 ]      39 - وعنده التصحيح ليس يمكن
في عصرنا وقال يحيى ممكن

.

( مراتب الصحيح ) مطلقا . ( وأرفع الصحيح مرويهما ) أي : البخاري ومسلم ; لاشتماله على أعلى الأوصاف المقتضية للصحة ، وهو المسمى بالمتفق عليه ، وبالذي أخرجه الشيخان ، إذا كان المتن عن صحابي واحد كما قيده شيخنا .

وقال : إن في عد المتن الذي يخرجه كل منهما عن صحابي من المتفق عليه نظرا على طريقة المحدثين وهو - أعني ما اتفقا عليه - أنواع : فأعلاه ما وصف بكونه متواترا ، ثم مشهورا ، ثم أصح كمالك عن نافع عن ابن عمر ، ثم ما وافقهما ملتزمو الصحة ، ثم أحدهم على تخريجه ، ثم أصحاب السنن ، ثم المسانيد ، ثم ما انفردا به ، ولا يخرجه بذلك كله عن كونه مما اتفقا عليه .

( ثم ) يليه مروي ( البخاري ) فقط ، وهو القسم الثاني ; لأن شرطه أضيق ( فيليه ) مروي ( مسلم ) وحده لمزاحمته للذي قبله ، وهو الثالث .

هذا هو الأصل الأكثر ، وقد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا ; كأن يتفق مجيء ما انفرد به مسلم من طرق يبلغ بها التواتر أو الشهرة القوية ، أو يوافقه على [ ص: 63 ] تخريجه مشترطو الصحة ، فهذا أقوى مما انفرد به البخاري مع اتحاد مخرجه .

وكذا نقول فيما انفرد به البخاري بالنسبة لما اتفقا عليه ، بل وفي غيره من الأقسام المفضولة بالنسبة لما هو أعلى منه ; إذا انضم إليه ذلك .

( فـ ) يلي ما انفرد به مسلم ( ما شرطهما ) مفعول ( حوى ) أي : جمع شرطهما ، وهو الرابع .

والدليل لتأخره عن اللذين قبله التلقي لكل من الصحيحين بالقبول ، على أن شيخنا تردد في كونه أعلى من الذي قبله أو مثله ، كما تردد غيره في تأخير الثالث عن الثاني إذا كان على شرطه ، ولم ينص على تعليله ، ويساعده أنهما لم يستوعبا مشروطهما ، وإذا كان على ما قرروه ، ( فـ ) يلي الذي على شرطهما ما حوى ( شرطالجعفي ) أي : البخاري ، وهو الخامس .

( فـ ) ما حوى شرط ( مسلم ) وهو السادس ، ( فـ ) ما حوى ( شرط غير ) من الأئمة سوى البخاري ومسلم بتخريجه في كتابه الموضوع للصحة ، أو ثبوته عنه وهو السابع . [ واستعمال ( غير ) بلا إضافة قليل ] .

مع أنه لو لوحظ الترجيح بين شروط من عدا الشيخين كما فعل فيهما ، لزادت الأقسام ، ولكن ما ذكر ( يكفي ) لما في ذلك من التطويل ، وعدم تصريح ابن الصلاح بالاكتفاء لا يخالفه ; لأنه قد يلزم منه الخوض في التصحيح .

[ الخلاف في جواز التصحيح والتحسين للمتأخرين ] ( وعنده ) أي : ابن الصلاح ( التصحيح ) وكذا التحسين ( ليس يمكن ) ، بل جنح لمنع الحكم بكل منهما في الأعصار المتأخرة الشاملة له ( في عصرنا ) ، واقتصر فيهما على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف ، محتجا [ ص: 64 ] بأنه ما من إسناد إلا وفي رواته من اعتمد على ما في كتابه عريا عن الضبط والإتقان .

وظاهر كلامه - كما قال شيخنا على ما سيأتي في أول التنبيهات التي بآخر المقلوب - القول بذلك في التضعيف أيضا ، ولكن لم يوافق ابن الصلاح على ذلك كله حكما ودليلا .

أما الحكم فقد صحح جماعة من المعاصرين له ; كأبي الحسن بن القطان مصنف " الوهم والإيهام " والضياء المقدسي صاحب " المختارة " ، وممن توفي بعده كالزكي المنذري ، والدمياطي طبقة بعد طبقة إلى شيخنا ، ومن شاء الله بعده .

( وقال ) الشيخ أبو زكريا ( يحيى ) النووي - رحمه الله - : الأظهر عندي جوازه وهو ( ممكن ) لمن تمكن وقويت معرفته لتيسر طرقه .

وأما الدليل فالخلل الواقع في الأسانيد المتأخرة إنما هو في بعض الرواة ; لعدم الضبط والمعرفة بهذا العلم ، وهو في الضبط منجبر بالاعتماد على المقيد عنهم ، كما أنهم اكتفوا بقول بعض الحفاظ فيما عنعنه المدلس : هذا الحديث سمعه هذا المدلس من شيخه ، وحكموا لذلك بالاتصال .

وفي عدم المعرفة [ ص: 65 ] بضبطهم كتبهم من وقت السماع إلى حين التأدية ، ووراء هذا أن الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه ، ككتاب النسائي مثلا لا يحتاج في صحة نسبته إلى النسائي إلى اعتبار حال الإسناد منا إليه ، كما اقتضاه كلامه ، إذا روى مصنفه فيه حديثا ، ولم يعلله ، وجمع إسناده شروط الصحة ، ولم يطلع المحدث فيه على علة ، فما المانع من الحكم بصحته ، ولو لم ينص عليها أحد من المتقدمين ؟ لا سيما وأكثر ما يوجد من هذا القبيل ما رواته رواة الصحيح ، وفيهم الضابطون المتقنون الحفاظ بكثرة ، هذا لا ينازع فيه من له ذوق في هذا الفن ، أفاده شيخنا ومن قبله ابن الناظم في ديباجة شرحه لأبي داود .

ولعل ابن الصلاح اختار حسم المادة ; لئلا يتطرق إليه بعض المتشبهين ممن يزاحم في الوثوب على الكتب التي لا يهتدى للكشف منها ، والوظائف التي لا تبرأ ذمته بمباشرتها .

وللحديث رجال يعرفون به وللدواوين كتاب وحساب .

ولذلك قال بعض أئمة الحديث في هذا المحل : الذي يطلق عليه اسم المحدث في عرف المحدثين أن يكون كتب ، وقرأ ، وسمع ، ووعى ، ورحل إلى المدائن والقرى ، وحصل أصولا وعلق فروعا من كتب المسانيد والعلل [ ص: 66 ] والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف ، فإذا كان كذلك فلا ينكر له ذلك ، وأما إذا كان على رأسه طيلسان ، وفي رجليه نعلان ، وصحب أميرا من أمراء الزمان ، أو من تحلى بلؤلؤ ومرجان ، أو بثياب ذات ألوان ، فحصل تدريس حديث بالإفك والبهتان ، وجعل نفسه ملعبة للصبيان ، لا يفهم ما يقرأ عليه من جزء ولا ديوان ، فهذا لا يطلق عليه اسم محدث بل ولا إنسان ، وإنه مع الجهالة آكل حرام ، فإن استحله خرج من دين الإسلام . انتهى .

والظاهر أنها نفثة مصدور ، ورمية معذور ، وبها يتسلى القائم في هذا الزمان بتحقيق هذا الشأن ، مع قلة الأعوان ، وكثرة الحسد والخذلان ، والله المستعان وعليه التكلان .

التالي السابق


الخدمات العلمية