فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ التنبيه على أربعة أمور ] :

ومما ينبه عليه أمور ; أحدها : إذا وقع في الكتاب تقديم وتأخير ; فمنهم من يكتب أول المتقدم كتابة : يؤخر . وأول المتأخر : يقدم . وآخره ( إلى ) كل ذلك بأصل الكتاب إن اتسع المحل ، أو بالهامش ، ومنهم من يرمز لذلك بصورة ( ميم ) ، وهذا حسن بأن لم يكن المحل قابلا لتوهم أن الميم رقم لكتاب مسلم ، ثم إن محله في أكثر من كلمة لكون شيخنا كان يرى في الكلمة الواحدة الضرب عليها وكتابتها في محلها .

ثانيها : إذا أصلح شيئا نشره حتى يجف لئلا يطبقه فينطمس فيفسد المصلح وما [ ص: 103 ] يقابله ، فإن أحب الإسراع تربه بنحاتة الساج ، ويتقي استعمال الرمل ، إلا أن يزيل أثره بعد جفافه ، فقد كان بعض الشيوخ يقول : إنه سبب للأرضة . وكذا يتقي التراب ، كما صرح به الخطيب في ( الجامع ) .

وساق من طريق عبد الوهاب الحجبي قال : كنت في مجلس بعض المحدثين ، وابن معين بجانبي ، فكتبت صفحا ثم ذهبت لأتربه فقال لي : لا تفعل ، فإن الأرضة تسرع إليه ، قال : فقلت له : الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( تربوا الكتاب فإن التراب مبارك ، وهو أنجح للحاجة ) . قال : ذاك إسناد لا يسوى فلسا . ونحوه قول العقيلي : لا يحفظ هذا الحديث بإسناد جيد . بل قال ابن حبان : إنه موضوع .

قلت : وفيه نظر ، فهو عند الترمذي في الاستئذان من ( جامعه ) من طريق حمزة النصيبي ، عن أبي الزبير ، عن جابر رفعه : ( إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه ، فإنه أنجح للحاجة ) .

وقال عقبه : إنه منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه . كذا قال ، وقد رواه ابن ماجه في الأدب من ( سننه ) من طريق بقية بن الوليد ، عن أبي أحمد بن علي الكلاعي ، عن أبي الزبير ، لكن بلفظ : ( تربوا صحفكم أنجح لها ; لأن التراب مبارك ) بل في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة ، وكلاهما عند ابن عدي في ( كامله ) ، لفظ أولهما : ( تربوا الكتاب واسحوه - أي : اقشروه من أسفله - فإنه أنجح للحاجة ) .

وعن هشام بن زياد أبي المقدام ، عن الحجاج [ ص: 104 ] بن يزيد ، عن أبيه رفعه : ( تربوا الكتاب فإنه أنجح له ) إلى غيرها من الطرق الواهية ، ويمكن - إن ثبت - حمله على الرسائل التي لا تقصد غالبا بالإبقاء .

وقد قيل : إن مما يدفع الأرضة كتابة : ( فارق مارق احبس حبسا أو كبلح ) . فالله تعالى أعلم .

ثالثها : إذا أصلح شيئا من زيادة أو حذف أو تحريف ونحوه في كتاب قديم به أسمعة مؤرخة ، حسن ، كما رأيت شيخنا ، فعله أن ينبه معه على تاريخ وقت إصلاحه ليكون من سمع منه أو قرأ قبل مقتصرا عليه ، وكذا من نقل منه على بصيرة من ذلك ، بل كان في كثير من أوقاته يميز ما يتجدد له في تصانيفه بالحمرة لتيسر إلحاقه لمن كتبه قبل .

رابعها : الضرب والإلحاق ونحوهما مما يستدل به بين المتقدمين على صحة الكتاب ، فروى الخطيب في ( جامعه ) عن الشافعي أنه قال : إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة .

وعن أبي نعيم الفضل بن دكين قال : إذا رأيت كتاب صاحب الحديث مشججا - يعني : كثير التغيير - فأقرب به من الصحة . وأنشد ابن خلاد لمحمد بن عبد الملك الزيات يصف دفترا :


وأرى رشوما في كتابك لم تدع شكا لمرتاب ولا لمفكر     نقط وأشكال تلوح كأنها
ندب الخدوش تلوح بين الأسطر     تنبيك عن رفع الكلام وخفضه
والنصب فيه لحاله والمصدر [ ص: 105 ]     وتريك ما تعيا به فتعيده
كقرينة ومقدما كمؤخر

أما ما نراه في هذه الأزمان المتأخرة من ذلك ، فليس غالبا بدليل للصحة ، لكثرة الدخيل والتلبيس المحيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية