فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
إذا قال الشيخ : مثله أو نحوه .


( 668 ) وقوله مع حذف متن مثله أو نحوه يريد متنا قبله      ( 669 ) فالأظهر المنع من أن يكمله
بسند الثاني وقيل بل له      ( 670 ) إن عرف الراوي بالتحفظ
والضبط والتمييز للتلفظ      ( 671 ) والمنع في نحو فقط قد حكيا
وذا على النقل بمعنى بنيا      ( 672 ) واختير أن يقول مثل متن
قبل ومتنه كذا ويبني      ( 673 ) وقوله إذ بعض متن لم يسق
و " ذكر الحديث " فالمنع أحق      ( 674 ) وقيل إن يعرف كلاهما الخبر
يرجى الجواز والبيان المعتبر      ( 675 ) وقال إن نجز فبالإجازه
لما طوى واغتفروا إفرازه

[ حكم إيراد اللفظ المحال عليه بنحوه أو مثله ] : الفصل الحادي عشر : ( إذا قال الشيخ : مثله أو نحوه ) . ( وقوله ) أي : الشيخ الراوي ( مع حذف متن ) أورد إسناده ما نصه ، فذكر ( مثله أو نحوه يريد متنا قبله ) فرغ من سياقه ، هل يسوغ إيراد اللفظ المحال عليه بالسند الثاني المطوي متنه ؟ اختلف فيه ، ( فالأظهر ) عند ابن الصلاح [ ص: 198 ] ومن تبعه كالنووي وابن دقيق العيد .

( المنع ) لمن سمعه كذلك ( من أن ) بالنقل ( يكمله بسند الثاني ) أي : بالسند الثاني فقط لعدم تيقن تماثلهما في اللفظ وفي القدر المتفاوتين فيه ، وقد أخرج البخاري حديث الإفك من رواية فليح بن سليمان ، عن الزهري ، عن عروة وجماعة بطوله ، ثم من حديث فليح عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، وقال : مثله مع تفاوت كثير بين الروايتين حسبما علم من خارج .

ولذا قال شيخنا : فكأن فليحا تجوز في قوله : مثله . وأخرج مسلم في مقدمة ( صحيحه ) من حديث ابن مهدي ومعاذ بن معاذ ، كلاهما عن شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم مرفوعا مرسلا : ( كفى بالمرء كذبا ) . ثم أخرجه من طريق علي بن حفص ، عن شعبة ، فوصله بأبي هريرة ولم يسق لفظه ، بل قال : مثله . هذا مع كونه لم يقع لي من طريق علي المذكور إلا بلفظ ( إثما ) فإما أن يكون مسلم لم يشدد لكونه في المقدمة ، أو وقع له بلفظه .

والأول أقرب ، وفي [ ص: 199 ] أنه الأظهر نظر إذا مشينا على أن المعتمد جواز الرواية بالمعنى ; لأنه وإن كان لا يلزم من كونه مثله أن يكون بعين لفظه ، لا يمنع أن يكون بمعناه ، بل هو فيما يظهر دائر بين اللفظ ، والمعنى لا سيما إذا اقترن بمثله لفظ سواء ، بل هو حينئذ أقرب إلى كونه بلفظه .

وقد سبقه إلى المنع شعبة ، فكان لا يرى بالتحديث به على لفظ الأول ، وقال : قول الراوي : فلان ، عن فلان ، مثله . لا يجزئ ، وقوله : نحوه . شك ، أي : فيكون أولى بالمنع . وفي رواية من طريق وكيع عنه قال : مثله ونحوه حديث . أي : غير الأول . وهو أصح مما جاء من طريق قراد أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان ، عن شعبة أنه قال : مثله ليس بحديث .

ثم إن مقتضى هذا المذهب أنه لا فرق بين حذف الإسناد الأول مع ذلك وإثباته . ولإثباته أحوال : فتارة يذكر المتن عقب كل منهما ، وتارة يذكره عقب ثانيهما ، وتارة يعكس ما وقع في الرواية ، فيؤخر الإسناد الذي له اللفظ ، ويردفه بقوله : مثله .

( وقيل بل ) يجوز ( له ) أي : للسامع كذلك إكماله ( إن عرف ) المحدث ( الراوي بالتحفظ والضبط ) .

وعد الحروف ، ( والتمييز للتلفظ ) الواقع من الرواة ، بحيث لا يحمل لفظ راو على آخر ، مثل مسلم صاحب ( الصحيح ) فإنه يزول الاحتمال حينئذ وإلا فلا . حكاها الخطيب في ( الكفاية ) عن بعض العلماء ، وأسند عن علي بن الحسين بن حبان قال : وجدت في كتاب أبي : قيل لأبي زكريا يحيى بن معين : يحدث المحدث بحديث ، ثم يحدث بآخر في أثره فيقول : مثله ، يجوز لي أن أقص الكلام الأول في هذا الأخير الذي قال فيه المحدث : مثله ؟ قال : نعم . قلت له : إنما قال المحدث : مثله . فكيف أقص أنا الكلام فيه ؟ قال : هذا جائز إذا قال : مثله . فقصصت أنت الكلام الأول في هذا الأخير لا بأس به .

وعن عبد الرزاق قال : قال الثوري : إذا كان " مثله " يعني حديثا قد تقدم ، [ ص: 200 ] فقال : مثل هذا الحديث الذي تقدم . فإن شئت فحدث بالمثل على لفظ الأول .

وقوى البلقيني هذا القول ، واستظهر له بأن البيهقي صنعه حتى في الموضع المحتمل ، وذلك أن الدارقطني أخرج في ( سننه ) من طريق أبي هريرة حديث : " تقول المرأة : أنفق علي وإلا طلقني " .

ثم خرج من طريق سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته ; قال : يفرق بينهما .

ثم أخرج من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

فهذا مع احتماله أن يكون مثل الموقوف وأن يكون مثل المرفوع ، خرجه البيهقي من طريق الدارقطني ، وفيه لفظ المرفوع ، فروى بإسناده إلى أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته يفرق بينهما ) . ولم يقع في كتاب الدارقطني ، ولا في كتاب من أخذ عنه الدارقطني إلا بلفظة " مثله " المحتملة . انتهى .

وحديث ( تقول المرأة ) في " الدارقطني " من طريق زيد بن أسلم وعاصم ابن بهدلة كلاهما عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ثم روى أثرا مقطوعا من وجهين إلى يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في الرجل يعجز عن نفقة امرأته : يفرق بينهما .

ثم روى من طريق عاصم ابن بهدلة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رفعه ، قال : مثله . وبهذا ظهر أن زيادة أبي هريرة في أثر سعيد خطأ ، وأن قوله : مثله أي مثل المرفوع ، لكونهما متحدين في السند والرفع .

التالي السابق


الخدمات العلمية