فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
نقل الحديث من الكتب المعتمدة .


47 - وأخذ متن من كتاب لعمل أو احتجاج حيث ساغ قد جعل      48 - عرضا له على أصول يشترط
وقال يحيى النووي أصل فقط      49 - قلت ولابن خير امتناع
نقل سوى مرويه إجماع

.

( نقل الحديث من الكتب المعتمدة ) التي اشتهرت نسبتها لمصنفيها أو صحت ، وقدم هذا على الحسن المشارك للصحيح في الحجة لمشابهته للتعليق في الجملة .

[ ص: 82 ] ( وأخذ متن ) أي : حديث ( من كتاب ) من الكتب المعتمدة ; كالبخاري ومسلم ، وأبي عوانة ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، [ وابن الجارود ] مما اشتهر أو صح ( لعمل ) بمضمونه في الفضائل والترغيبات ، وكذا الأحكام التي لا يجد فيها الآخذ نصا لإمامه ، أو يجده فيبرز دليله الذي لعل بوجوده يضعف مخالفه .

وربما يكون إمامه علق قوله فيه على ثبوت الخبر ، أو غير ذلك مما يشمله قول ابن الصلاح ( أو احتجاج ) به لذي مذهب ( حيث ساغ ) - بمهملة ثم معجمة - أي جاز للآخذ ذلك ، وكان متأهلا له ، والأهلية في كل شيء مما ذكر بحسبه ، مع العلم بالاختلاف في انقطاع المجتهد المقيد ، فضلا عن المطلق ، لنقص الهمم ( قد جعل ) أي : ابن الصلاح .

( عرضا له ) أي : مقابلة للمأخوذ ( على أصول ) متعددة بروايات متنوعة ، يعني فيما تكثر الروايات فيه ، كالفربري والنسفي وحماد بن شاكر وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري ، أو أصول متعددة ، فيما مداره على رواية واحدة كأكثر الكتب ( يشترط ) أي : جعله شرطا ; ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأسانيد .

وقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر والاستفاضة ، وعبارته : " فسبيل " أي : طريق ، وهذا ظاهر في اشتراط التعدد ، وإن حمله غير واحد على الاستحباب والاستظهار .

( وقال ) الشيخ أبو زكريا ( يحيى النووي ) بالاكتفاء بالمقابلة على ( أصل ) معتمد ( فقط ) ; إذ الأصل الصحيح تحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها صحة واحتجاجا ، على أن ابن الصلاح قد تبعهم في عدم اشتراط التعدد في مقابلة المروي مع تقاربهما .

ولكن قد يفرق بينهما بمزيد الاحتياط للاحتجاج والعمل ، وإذا حمل كلامه هنا على الاستحباب ، كان موافقا [ ص: 83 ] لما سيأتي له عند الحسن في نسخ الترمذي واختلافها في الحكم ; أهو بالحسن فقط ، أو بالصحة فقط ، أو بهما معا ، أو بغير ذلك أنه ينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول حيث حمل على الاستحباب ؟ وإن كانت " ينبغي " ليست صريحة في ذلك ، كما أومأ إليه الشارح ، ولا شك أن القول بالأول فيه تضييق يفضي إلى التعطيل ، وعدم تعقب النووي القول بالتعدد في الترمذي ; لافتراقه عما تقدم باختلاف نسخه .

ثم هل يشترط في النقل للعمل أو الاحتجاج أن يكون له به رواية ؟ الظاهر مما تقدم عدمه ، وبه صرح ابن برهان في الأوسط ; فقال : ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صحت عنده النسخة من الصحيحين مثلا أو من السنن ، جاز له العمل بها وإن لم يسمع .

وكذا روي عن الشافعي أنه يجوز أن يحدث بالخبر أي : ينقله وإن لم يعلم أنه سمعه .

( قلت : ولابن خير ) بفتح المعجمة ثم تحتانية ساكنة وآخره مهملة ، وهو الحافظ المقرئ أبو بكر محمد الأموي بفتح الهمزة اللمتوني الإشبيلي المالكي خال مصنف ( الروض الأنف ) الحافظ أبي القاسم السهيلي ، وأحد الأئمة المشهورين بالإتقان والتقدم في العربية والقراءات والروايات والضبط ; بحيث تغالى الناس في كتبه بعد موته ، وزادت عدة من كتب هو عنه على مائة ، مات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، ( 575 هـ ) عن ثلاث وسبعين سنة ، [ ص: 84 ] مما وجد بأول برنامجه الذي وضعه في أسماء شيوخه ومروياته ( امتناع ) أي : تحريم ( نقل سوى ) أي غير ( مرويه ) وهو أعم من أن يكون للرواية المجردة أو العامل أو الاحتجاج ، والتحريم فيه عنده بينهم ( إجماع ) .

ونص كلامه : وقد اتفق العلماء - رحمهم الله - على أنه لا يصح لمسلم أن يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا ، حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ، ولو على أقل وجوه الروايات ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده من النار ، وفي بعض الروايات : من كذب علي مطلقا بدون تقييد ، وهو ظاهر في الجزم خاصة .

ولذا عبر الناظم - كما في خطه - به مكان " نقل " المشعر بمجرد النقل ، ولو ممرضا ، لكنه جزم في خطبة ( تقريب الأسانيد ) له بذلك أيضا ، لكن بدون عزو ; فإنه بعد أن قرر أنه يقبح بالطالب ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني بها عن كذا وكذا .

قال : ( ويتخلص به من الحرج بنقل ما ليست له به رواية ، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية ، فإما أن يكون اعتمد في حكاية الإجماع ابن خير فقط ، أو وقف عليه في كلام غيره ) .

ونحوه قول غيره نقلا عن المحدثين : إنهم لا يلتفتون إلى صحة النسخة ، إلا أن يقول الراوي : أنا أروي ، وهم في هذا الباب أهل الفن على الحقيقة .

ولكن انتصر للأول جماعة حتى قيل - وإن كان فيه نظر - : إن الثاني لم يقل به إلا بعض المحدثين ، ولو صح لخدش في دعوى الإجماع ، كما يخدش فيها قول ابن برهان ، إلا إن حمل على إجماع مخصوص .

وأيضا فلو لم يورد ابن خير الحديث الدال على تحريم نسبة الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يتحقق أنه قاله ، لكان مقتضى كلامه منع إيراد ما يكون في الصحيحين أو أحدهما ; حيث لا رواية له به ، وجواز نقل ما له به رواية ولو كان ضعيفا ، لا سيما وأول كلامه كالصريح فيما [ ص: 85 ] صحت نسبته إليه - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر - كما حكيته في أصله - من فوائد الإجازة التخلص من الحرج في حكاية كلامه - صلى الله عليه وسلم - من غير رواية .

التالي السابق


الخدمات العلمية