فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ الدلالة على الأحق وترك التحديث عنده ] :

( وأن من سيل ) بكسر المهملة وتخفيف الهمزة للضرورة ، أن يحدث ( بجزء ) أو كتاب أو نحوهما ، ( قد عرف [ ص: 237 ] رجحان راو ) من أهل عصره ببلده أو غيرها ، ( فيه ) إما لكونه أعلى أو متصل السماع بالنسبة إليه ، أو غيرهما من الترجيحات ، ولو بالعلم والضبط ، فضلا عن أن يكون شيخه فيه حيا ، ( دل ) السائل له عليه ، وأرشده إليه ليأخذه عنه ، أو يستدعي منه الإجازة إن كان في غير بلده ، ولم تمكنه الرحلة إليه .

( فهو ) أي التنبيه بالدلالة على ذلك ( حق ) ونصيحة في العلم ، لكون الراجح به أحق ، وقد فعله غير واحد من الصحابة والأئمة .

قال شريح بن هانئ : سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح ، يعني على الخفين ، فقالت : ائت عليا ، فإنه أعلم بذلك مني .

وقال ابن شهاب : جلست إلى ثعلبة بن أبي صعير فقال لي : أراك تحب العلم ؟ قلت : نعم . قال : فعليك بذاك الشيخ ، يعني سعيد بن المسيب . قال : فلزمت سعيدا سبع سنين ، ثم تحولت من عنده إلى عروة فتفجرت منه بحرا .

وقال حمدان بن علي الوراق : ذهبنا إلى أحمد فسألناه أن يحدثنا ، فقال : تسمعون مني ومثل أبي عاصم في الحياة . أخرجهما الخطيب ، ونحوه ما عنده في ( الرحلة ) له عن الفضل بن زياد قال : سمعت أحمد وقال له رجل : عمن ترى أن يكتب الحديث ؟ فقال له : اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام . في آخرين من السلف والخلف منهم عمرو بن دينار فإنه دل سفيان بن عيينة وغيره من أصحابه المكيين على السماع من صالح بن كيسان المدني حين قدمها عليهم ، [ ص: 238 ] كما وقعت الإشارة لذلك في الحج من ( صحيح البخاري ) هذا بعد لقي عمرو لصالح وأخذه عنه مع كون عمرو أقدم منه .

وكان شيخنا رحمه الله يحيل غالبا من يسأل في ( صحيح مسلم ) على الزين الزركشي ، وقال مرة لبعض أصحابنا : إذا سمعت على فلان كذا ، وعلى فلان كذا ، وعلى فلان كذا ، كنت مساويا لي فيها في العدد . بل كان يفعل شيئا أخص من هذا ; حيث يحضر من يعلم انفراده من المسمعين بشيء من العوالي مجلسه لأجل سماع الطلبة ومن يلوذ به له ، وربما قرأ لهم ذلك بنفسه ، وفعل الولي ابن الناظم شيئا من ذلك .

على أن ابن دقيق العيد خص ذلك بما إذا حصل الاستواء فيما عدا الصفة المرجحة ، أما مع التفاوت ، بأن يكون الأعلى عاميا لا معرفة له بالصنعة ، والأنزل عارفا ضابطا ، فهذا يتوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور ; لأنه قد يكون في الرواية عن هذا العامي ما يوجب خللا . انتهى .

فإن أحضره العالم إلى مجلسه كما فعل شيخنا وغيره ، أو أكرمه بالتوجه إليه ، أو كان القارئ أو بعض السامعين من أهل الفن ، فلا نزاع حينئذ في استحباب الإعلام .

( و ) كذا ينبغي استحبابا ( ترك تحديث بحضرة الأحق ) والأولى منه من جهة الإسناد أو غيره ، فقد روى الخطيب أن إبراهيم النخعي كان إذا اجتمع مع الشعبي لا يتكلم إبراهيم بشيء ، فإن كان غائبا فلا .

( وبعضهم كره الأخذ ) بالنقل ، ( عنه ببلد وفيه ) من هو لسنه أو علمه أو ضبطه أو إسناده ، ( أولى منه ) لحديث سمرة : [ ص: 239 ] ( لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما ، فكنت أحفظ عنه وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني ) .

وروى الخطيب أيضا عن عاصم قال : كان زر أكبر من أبي وائل ، فكانا إذا اجتمعا لم يحدث أبو وائل مع زر .

وعن عبيد الله بن عمر قال : كان يحيى بن سعيد يحدثنا ، فإذا طلع ربيعة قطع يحيى حديثه إجلالا له وإعظاما .

وعن حسين بن الوليد النيسابوري قال : سئل عبد الله بن عمر العمري المكبر عن شيء من الحديث فقال : أما أبو عثمان - يعني أخاه عبيد الله المصغر - حي فلا . وعن الثوري أنه قال لابن عيينة : ما لك لا تحدث ؟ فقال : أما وأنت حي فلا . ونحوه قول الناظم لما سئل أن يحدث بـ ( مسند الدارمي ) : أما والشيخ برهان الدين التنوخي حي فلا .

وعن أبي عبد الله المعيطي قال : رأيت أبا بكر بن عياش بمكة ، وأتاه ابن عيينة فبرك بين يديه ، وجاء رجل فسأل ابن عيينة عن حديث فقال : لا تسألني ما دام هذا الشيخ - يعني أبا بكر - قاعدا .

وعن الحسن بن علي الخلال قال : كنا عند معتمر وهو يحدثنا إذ أقبل ابن المبارك ، فقطع معتمر حديثه ، فقيل له : حدثنا . فقال : إنا لا نتكلم عند كبرائنا .

وعن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت ابن معين يقول : إن الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى بالتحديث منه أحمق ، وأنا إذا حدثت في بلد فيه مثل أبي مسهر - يعني الذي كان أسن منه - فيجب للحيتي أن تحلق . قال ابن أبي الحواري : وأنا إذا حدثت في بلدة فيها مثل أبي الوليد هشام بن عمار - يعني الذي كان أسن منه - فيجب للحيتي أن تحلق .

وعن السلفي قال : كتبت بالإسناد عن بعض المتقدمين أنه قال : من حدث في بلدة وبها من هو أولى بالرواية [ ص: 240 ] منه فهو مختل . انتهى .

والأولوية تحتمل أن تكون في الإسناد أو في غيره ، وهل يلتحق بذلك في الكراهة الجلوس للإفتاء أو لإقراء علم ببلد فيه من هو أولى به منه ؟ الظاهر لا ; لما فيه من التحجير والتضييق الذي الناس خلفا عن سلف على خلافه .

حتى إن العز محمد بن جماعة حكى عن شيخه المحب ناظر الجيش أنه شاهد بمصر قبل الفناء الكبير مائة حلقة في النحو ، ستين منها بجامع عمرو ، وباقيها بجامع الحاكم .

وقد عقد ابن عبد البر بابا لفتوى الصغير بين يدي الكبير ، وأورد فيه ما يشهد لذلك ، والفرق أن الطلبة تتفاوت أفهامهم ، فالقاصر لا يفهم عبارة الأولى ويفهم ممن هو دونه ، وليس كل عالم ربانيا ، والسماع إنما يرغب فيه للأعلى [ ص: 241 ] والأولى ، فبولغ في الاعتناء بالمحافظة على جانب الرواية .

على أن ابن دقيق العيد قال : هكذا قالوا ، ولا بد أن يكون ذلك مشروطا بألا يعارض هذا الأدب ما هو مصلحة راجحة عليه . يعني كما تقدم قريبا .

التالي السابق


الخدمات العلمية