فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ القيام لأحد والآداب الأخرى في مجلس التحديث ] :

( ولا تقم ) استحبابا إذا كنت في مجلس التحديث ، سواء كان التحديث بلفظك أو بقراءة غيرك ، ولا القارئ أيضا ( لأحد ) إكراما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع بقيام .

فقد قال الفقيه أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي فيما رويناه عنه في " جزء عبد الله بن أحمد الخرقي " : إذا قام القارئ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد كتبت عليه خطيئة . هذا إذا لم ينضم لذلك محبة من يقام له لذلك ، فإذا انضم إليه ذلك فآكد ، بل هو حرام للترهيب عنه .

وكان أحمد بن المعذل وغيره بدار المتوكل ، فخرج عليهم المتوكل فلم يقم له أحمد خاصة ، فسأل عن ذلك وزيره فاعتذر عنه بسوء بصره ، فرد عليه أحمد ذلك .

وقال للمتوكل : إنما نزهتك من عذاب النار . وساق له حديث : ( من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ) . فجاء المتوكل فجلس إلى جانبه .

[ ص: 242 ] وكذا لا تخص أحدا بمجلس ، بل من سبق إلى موضع فهو أحق به ، ولا تقم أحدا لأجل أحد ، لحديث : ( لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن توسعوا ) . ( لا تجلسه بين اثنين إلا بإذنهما ) .

ودخل الحيص بيص الشاعر على الشريف علي بن طراد الوزير فقال له : يا علي بن طراد ، يا رفيع العماد ، يا خالد الأجواد ، انقضى المجلس فأين أجلس ؟ فقال الوزير : مكانك . فقال : أعلى قدري أم على قدرك ؟ فقال : لا على قدري ولا على قدرك ، ولكن على قدر الوقت . ولا يمنع ذلك إكرامه المشايخ والعلماء وذوي الأنساب ، لما أمر به من إنزال كل منزلته .

وقد قال مالك : كنا نجلس إلى ربيعة وغيره ، فإذا أتى ذو السن والفضل قالوا له : ههنا . حتى يجلس قريبا منهم . قال : وكان ربيعة ربما أتاه الرجل ليس له ذاك السن ، فيقول له : ههنا . ولا يرضى حتى يجلسه إلى جنبه ، كأنه يفعل به ذلك لفضله عنده .

ولا تقدم أحدا في غير نوبته ، بل تأس بأبي جعفر بن جرير الطبري حيث حضر إليه الفضل بن جعفر بن الفرات ، وهو ابن الوزير ، وقد سبقه رجل ، فقال [ ص: 243 ] الطبري للرجل : ألا تقرأ ؟ فأشار الرجل إلى ابن الوزير ، فقال له الطبري : إذا كانت النوبة لك ، فلا تكترث بدجلة ولا الفرات . انتهى .

وهذه - كما قال شيخنا - من لطائف ابن جرير وبلاغته ، وعدم التفاته لأبناء الدنيا .

( و ) كذا لا تخص واحدا بالإقبال عليه ، بل ( أقبل عليهم ) بكسر الميم ، جميعا إذا أمكن ، فذاك مستحب ; لقول حبيب بن أبي ثابت : كانوا يحبون إذا حدث الرجل ألا يقبل على الواحد فقط ، ولكن ليعمهم .

وعنه أيضا أنه من السنة . وأعلى من ذلك ألا تخص أحدا بالتحديث ، لا سيما إن كان ممن يترفع عن الجلوس مع من يراه دونه ، فضلا عن مجيئك إليه ، وقد سأل الرشيد عبد الله بن إدريس الأودي أن يحدث ابنه فقال : إذا جاء مع الجماعة حدثناه . وما أحسن قول إمامنا الشافعي فيما رويناه من جهة الربيع بن سليمان المرادي عنه :


العلم من شرطه لمن خدمه أن يجعل الناس كلهم خدمه     وواجب صونه عليه كما
يصون في الناس عرضه ودمه

ولا تجلس في الظل وهم في الشمس ، واخفض صوتك ، إلا أن يكون في المجلس سيئ السمع .

التالي السابق


الخدمات العلمية