فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ اعتماد عالي الإسناد واجتناب المشكل ] : ( واعتمد ) فيما ترويه ( عالي إسناد ) لما في العلو من الفضل ، وكذا اعتمد ( قصير متن ) لمزيد الفائدة فيه ، يعني بالنظر إلى الأحكام ونحوها ، حتى قال أبو عاصم : الأحاديث القصار هي اللؤلؤ . بخلاف الطويل غالبا .

وقد قال أيوب السختياني : قال لنا عكرمة : ألا أخبركم بأشياء قصار حدثنا بها أبو هريرة : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم القربة أو السقاء ، وأن يمنع جاره أن يغرز خشبه في داره ) . إلا أن يكون يشتمل على جمل من الأحكام فينزل كل جملة منها منزلة حديث واحد . قال علي بن حجر :


وظيفتنا مائة للغريب في كل يوم سوى ما يعاد     شريكية أو هشيمية
أحاديث فقه قصار جياد

[ ص: 267 ] وكان علي قد انفرد بشريك وهشيم .

( واجتنب ) في إملاءك ( المشكل ) من الحديث الذي لا تحتمله عقول العوام ، كأحاديث الصفات التي ظاهرها يقتضي التشبيه والتجسيم وإثبات الجوارح والأعضاء للأزلي القديم ( 1 ) ، وإن كانت الأحاديث في نفسها صحاحا ، ولها في التأويل طرق ووجوه ، إلا أن من حقها ألا تروى إلا لأهلها .

( خوف الفتن ) بفتح الفاء وسكون التاء مصدر : فتن ، أي ; الافتتان والضلال ، فإنه لجهل معانيها يحملها على ظاهرها أو يستنكرها فيردها ويكذب رواتها ونقلتها .

وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ) . وقول علي : ( حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ ) .

وقول ابن مسعود : ( إن الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغ عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة ) .

وقول أيوب السختياني : ( لا تحدثوا الناس بما لا يعلمون فتضروهم ) .

وقول مالك : ( شر العلم الغريب ، وخير العلم المعروف المستقيم ) .

وكذا قال الخطيب : ( إن مما رأى العلماء أن الصدوف عن روايته للعوام أولى أحاديث الرخص ، وإن تعلقت بالفروع المختلف فيها دون الأصول ، كحديث الرخصة في النبيذ ) . ثم ذكر أن إطراح أحاديث بني إسرائيل المأثورة عن أهل الكتاب ، وما نقل عن أهل الكتاب ، واجب ، والصدوف عنه لازم ، [ ص: 268 ] وأما ما حفظ من أخبار بني إسرائيل وغيرهم من المتقدمين عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء السلف ، فإن روايته تجوز ، ونقله غير محظور .

ثم روي عن الشافعي أن معنى حديث : ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) أي لا بأس أن تحدثوا عنهم بما سمعتم ، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة ، مثل ما روي أن ثيابهم تطول ، والنار التي تنزل من السماء فتأكل القربان . انتهى .

لكن قال بعض العلماء : إن قوله : ( ولا حرج ) في موضع الحال ; أي : حدثوا عنهم حال كونه لا حرج في التحديث عنهم بما حفظ من أخبارهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني : وعن صحابته والعلماء ، كما قاله الخطيب ; فإن روايته تجوز ، انتهى .

وقد بينت ذلك واضحا في كتابي ( الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل ) .

وكذا قال الخطيب : وليجتنب ما شجر بين الصحابة ، ويمسك عن ذكر الحوادث التي كان فيهم ; لحديث ابن مسعود الذي أورده في كتابه في ( القول في علم النجوم ) ، رفعه : ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ) . وهو عند ابن عدي من حديث ابن عمر أيضا ، وكلاهما لا يصح .

وقد قال زيد العمي : أدركت أربعين شيخا من التابعين ، كلهم يحدثونا عن الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من أحب جميع أصحابي وتولاهم واستغفر لهم [ ص: 269 ] جعله الله يوم القيامة معهم في الجنة ) .

وقال الضحاك : لقد أمرهم بالاستغفار لهم ، وهو يعلم أنهم سيحدثون ما أحدثوا . وعن العوام بن حوشب قال : أدركت ما أدركت من خيار هذه الأمة ، وبعضهم يقول لبعضهم : اذكروا محاسن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ; لتأتلف عليها القلوب .

قلت : وإنما يتيسر للمملي ما تقرر إثباتا ونفيا ; حيث لم يتقيد بكتاب مخصوص ، وأما مع التقييد ، كما فعل الناظم في تخريج ( المستدرك ) و ( أمالي الرافعي ) ، وشيخنا في تخريج ابن الحاجب الأصلي و ( الأذكار ) ونحو ذلك ، فإنه - والحالة هذه - تابع لأصله ، لا يخرج عنه مع كونه لا ينهض له إلا من قويت في العلم براعته ، واتسعت روايته ، والله الموفق .

التالي السابق


الخدمات العلمية