فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ غرض الأخذ الفائدة لا كثرة الشيوخ ] ولتكن الفائدة قصدك ( لا كثرة الشيوخ ) حال كونها ( صيتا عاطلا ) من الفائدة ، بحيث تكون كمن حكى عنه الخطيب أنه كان يقول : ضيع ورقة ، ولا تضيعن شيخا . وهي الطريقة التي سلكها جل أصحابنا من طلبة شيخنا فضلا عمن دونهم ; فإنهم اعتنوا بالتكثير من الشيوخ بحيث يقول الواحد منهم : أخذت عن ستمائة أو نحو ذلك ، دون التكثير من المسموع ، حتى إنه يفوت بعض الكتب الستة أصول الإسلام فضلا عن غيرها ، هذا مع تصريح شيخنا بأن عكسه أولى .

وقد قال أبو الوليد : كتبت عن قيس بن الربيع ستة آلاف حديث هي أحب إلي من ستة آلاف دينار .

وإليه يشير قول ابن الصلاح : وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في الاستكثار لمجرد الكثرة وصيتها ، على احتمال كلامه أيضا غير هذا ، اللهم إلا أن يكون قصد المحدث تكثير طرق الحديث ، وجمع أطرافه ، فيكثر شيوخه لذلك ، فهذا لا بأس به .

ومن هنا وصف بالإكثار من الشيوخ خلق من الحفاظ ; كالثوري ، وابن المبارك ، وأبي داود الطيالسي ، ويونس بن محمد [ ص: 298 ] المؤدب ، ومحمد بن يونس الكديمي ، والبخاري ، وأبي عبد الله بن منده ، وكالقاسم بن داود البغدادي قال : كتبت عن ستة آلاف شيخ .

وممن زادت شيوخه على ألف سوى هؤلاء : أبو زرعة الرازي ، ويعقوب بن سفيان ، والطبراني ، وابن عدي ، وابن حبان ، والوليد بن بكر ، وأبو الفتيان ، وأبو صالح المؤذن ، وأبو سعد السمان ، كان له ثلاثة آلاف شيخ وستمائة ، وابن عساكر ، وابن السمعاني ، وابن النجار ، وابن الحاجب ، والدمياطي ، والقطب الحلبي ، والبرزالي ، فشيوخه ثلاثة آلاف شيخ منها ألف بالإجازة ، وعتيق بن عبد الرحمن العمري المصري ، ذكر أن شيوخه نيفوا عن الألف ، والفخر ، وعثمان التوزري بلغت [ ص: 299 ] شيوخه نحو الألف ، والذهبي ، وابن رافع ، والعز أبو عمر ابن جماعة ، ومن لا يحصى كثرة .

وكم في جمع طرق الحديث من فائدة أشرت لجملة منها في الباب قبله ، ولذا قال أبو حاتم الرازي : لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه . وعن ابن معين مثله ، لكن بلفظ : ثلاثين . وقال غيرهما : الباب إذا لم تجمع طرقه لا يوقف على صحة الحديث ولا على سقمه .

وقال ابن دقيق العيد في ثالث أحاديث ( العمدة ) من شرحها : إذا اجتمعت طرق الحديث يستدل ببعضها إلى بعض ، ويجمع بين ما يمكن جمعه ، ويظهر به المراد ، إلى غير ذلك مما أسلفت شيئا منه في أواخر المعلل .

التالي السابق


الخدمات العلمية