فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء

( 725 ) واقرأ كتابا في علوم الأثر كابن الصلاح أو كذا المختصر      ( 726 ) وبالصحيحين ابدأن ثم السنن
والبيهقي ضبطا وفهما ثم ثن      ( 727 ) بما اقتضته حاجة من مسند
أحمد والموطأ الممهد      ( 728 ) وعلل وخيرها لأحمدا
والدارقطني والتواريخ غدا      ( 729 ) من خيرها الكبير للجعفي
والجرح والتعديل للرازي      ( 730 ) وكتب المؤتلف المشهور
والأكمل الإكمال للأمير      ( 731 ) واحفظه بالتدريج ثم ذاكر
به والاتقان اصحبن وبادر      ( 732 ) إذا تأهلت إلى التأليف
تمهر وتذكر وهو في التصنيف      ( 733 ) طريقتان جمعه أبوابا
أو مسندا تفرده صحابا      ( 734 ) وجمعه معللا كما فعل
يعقوب أعلى رتبة وما كمل      ( 735 ) وجمعوا أبوابا او شيوخا او
تراجما أو طرقا وقد رأوا      ( 736 ) كراهة الجمع لذي تقصير
كذاك الإخراج بلا تحرير

[ الاعتناء بمعرفة علم الحديث وأصوله ] :

( واقرأ ) أيها الطالب عند شروعك في الطلب لهذا الشأن ( كتابا في ) معرفة ( علوم الأثر ) تعرف به أدب التحمل ، وكيفية الأخذ والطلب ، ومن يؤخذ عنه ، وسائر مصطلح أهله ، ( كـ ) كتاب علوم الحديث للحافظ الكبير أبي عمرو ( ابن الصلاح ) ، الذي قال فيه مؤلفه : إنه مدخل إلى هذا [ ص: 307 ] الشأن مفصح عن أصوله وفروعه ، شارح لمصنفات أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدث بالجهل بها نقصا فاحشا ، قال : فهو إن شاء الله جدير بأن تقدم العناية به ، وعليه معول كل من جاء بعده .

( أو كذا ) النظم ( المختصر ) منه ، الملخص فيه مقاصده مع زيادة ما يستعذب كما سلف في الخطبة . وعول على شرحه هذا واعتمده ، فلا ترى نظيره في الإتقان والجمع مع التلخيص والتحقيق ، نفع الله به وصرف عنه من لم يحفظ معناه ، ولم يلحظ مغزاه من صالح وطالح ، وحاسد وناصح ، وصبي جهول وغبي لم يدر ما يقول ، متفهما لما يليق بخاطرك منها ممن يكون ممارسا للفن مطبوعا فيه عاملا به ، وألا تكن كخابط عشواء ركب متن عمياء .

وذلك واجب ; لكونه طريقا إلى معرفة الصحيح والسقيم . وإذا علمت كيفية الطلب وما يلتحق بذلك فليكن من أول ما ينبغي أن تستعمله شدة الحرص على السماع والمسارعة إليه ، والملازمة للشيوخ ، وتبتدئ بسماع الأمهات من كتب أهل الأثر والأصول الجامعة للسنن كما قال الخطيب .

وهي على الأبواب والمسانيد والمبوبة ، وهي كثيرة متفاوتة ، أنفعها بالنظر ; لسرعة استخراج الفائدة منها ، فقدمها ، ( وبالصحيحين ) للبخاري ومسلم منها ( ابدأن ) ، وقدم أولهما لشدة اعتنائه باستنباط الأحكام التي هي القصد الأعظم ، مع تقدمه ورجحانه كما سبق في محله .

إلا إن دعت ضرورة ، كأن يكون الراوي لـ ( صحيح مسلم ) انفرد به ، [ ص: 308 ] ويخشى فوته ، ورواة ( البخاري ) فيهم كثرة ، كما اتفق في عصرنا للزين عبد الرحمن الزركشي الحنبلي آخر من سمع ( صحيح مسلم ) على البياني ; فإنه لو حصل التشاغل عنه بـ ( صحيح البخاري ) الذي استمر بعده في الدرجة التي كان فيها في حياته أكثر من أربعين سنة ، وربما فات ولا يوجد مثله .

( ثم ) أردفهما بكتب ( السنن ) المراعي مصنفوها فيها الاتصال غالبا ، والمقدم منها كتاب أبي داود ; لكثرة ما اشتمل عليه من أحاديث الأحكام ، ثم كتاب أبي عبد الرحمن النسائي ; ليتمرن في كيفية المشي في العلل ، ثم كتاب أبي عيسى الترمذي ; لاعتنائه بالإشارة لما في الباب من الأحاديث ، وبيانه لحكم ما يورده من صحة وحسن وغيرهما .

( و ) يليها كتاب ( السنن ) للحافظ الفقيه أبي بكر ( البيهقي ) ، فلا تحد عنه ; لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام ، بل لا نعلم - كما قال ابن الصلاح - في بابه مثله .

ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن ، ولكن قدمت تلك لتقدم مصنفيها في الوفاة ومزيد جلالتهم ، ( ضبطا وفهما ) ; أي : بالضبط في سماعك لمشكلها ، والفهم لخفي معانيها ، بحيث إنك كلما مر بك اسم مشكل أو كلمة من حديث مشكلة تبحث عنها ، وتودعها قلبك ، فبذلك يجتمع لك علم كثير في زمن يسير . [ ص: 309 ] وكذا اعتن من الكتب المبوبة بسماع الصحاح لابن خزيمة ، ولم يوجد تاما ، ولابن حبان ، ولأبي عوانة ، وبسماع الجامع المشهور بـ ( المسند ) للدارمي ( والسنن ) لإمامنا الشافعي مع مسنده ، وهو على الأبواب ، و ( السنن الكبرى ) للنسائي ; لما اشتملت عليه من الزيادات على تلك ، و ( السنن ) لابن ماجه وللدارقطني ، وبـ ( شرح معاني الآثار ) للطحاوي .

( ثم ثن بـ ) سماع ( ما اقتضته حاجة من ) كتب المسانيد كبيرها وصغيرها ; كـ ( مسند ) الإمام ( أحمد ) وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد والحميدي والعدني ومسدد وأبي يعلى والحارث بن أبي أسامة ، والأحاديث فيها أعلى منها في التي قبلها غالبا .

وكذا بما تدعو الحاجة إليه من الكتب المصنفة على الأبواب أيضا ، لكن كثر فيها الإيراد لغير المسند ، كالمرسل وشبهه ، مع كونها سابقة لتلك في الوضع ; ( كـمصنف ابن أبي شيبة ) و ( السنن لسعيد بن منصور ) و ( الموطأ الممهد ) لمقتفي السنة للإمام مالك الذي قال أبو خليد عتبة بن حماد : إنه لما عرضه على مؤلفه في أربعة أيام قال له : علم جمعته في ستين سنة أخذتموه في أربعة أيام ، والله لا ينفعكم الله به أبدا ، وفي لفظ : لا فقهتم أبدا . رواه أبو نعيم في ( الحلية ) .

وككتب ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وابن المبارك وابن عيينة وهشيم وابن وهب والوليد بن مسلم ووكيع ، و ( الموطأ ) قال فيه الشافعي ما قدمنا في أصح كتب الحديث ، ونحوه قول الخطيب : إنه المقدم في هذا النوع ، فيجب الابتداء به . [ ص: 310 ] قلت : وإنما سماه بذلك لأنه عرضه على بضعة عشر تابعيا ، فكلهم واطأه على صحته ، ذكره ابن الطحان في ( تاريخ المصريين ) له نقلا عن ابن وهب عن مالك ، وعن غيره مما جرب أن الحامل إذا أمسكته بيدها تضع في الحال .

ثم بالمحتاج إليه من التصانيف المفردة في أبواب مخصوصة ; كالطهارة والزكاة والزهد والرقائق والأدب والفضائل والسير ، وذلك لا ينحصر كثرة ، وكذا من المعاجم التي على الصحابة والتي على الشيوخ ، والفوائد النثرية ، والأجزاء الحديثية ، والأربعينيات ، وقدم منه الأعلى فالأعلى ، وذلك لا يميزه إلا النبهاء ، وما أكثر ما يقع فيه من الفوائد والزوائد ، وكل ما سميته فأكثره بحمد الله لي مسموع ، وما لم أسمه فعندي بالسماع من كل صنف منه ما يفوق الوصف .

التالي السابق


الخدمات العلمية