فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ ص: 3 ] بســم الله الرحمن الرحيم ( الغريب والعزيز والمشهور )

748 - وما به مطلقا الراوي انفرد فهو الغريب وابن منده فحد      749 - بالانفراد عن إمام يجمع
حديثه فإن عليه يتبع      750 - من واحد واثنين فالعزيز أو
فوق فمشهور وكل قد رأوا      751 - منه الصحيح والضعيف ثم قد
يغرب مطلقا أو اسنادا فقد      752 - كذلك المشهور أيضا قسموا
لشهرة مطلقة كـ " المسلم      753 - من سلم " الحديث والمقصور
على المحدثين من مشهور      754 - قنوته بعد الركوع شهرا
ومنه ذو تواتر مستقرا      755 - في طبقاته كمتن من كذب
ففوق ستين رووه والعجب      756 - بأن من رواته للعشره
وخص بالأمرين فيما ذكره      757 - الشيخ عن بعضهم قلت : بلى
مسح الخفاف وابن منده إلى      758 - عشرتهم رفع اليدين نسبا
ونيفوا عن مائة من كذبا

( الغريب والعزيز والمشهور ) ورتبت بالترقي مع تقديم ابن الصلاح لآخرها في نوع مستقل ، ثم إردافه بالآخرين في آخر . وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة ، وضم الغريب إلى الأفراد ، ولكن لكونه أملى كتابه شيئا فشيئا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب . وتبعه في ترتيبه غالب من اقتفى أثره .

[ تعريف الغريب وأنواعه ] : ( وما به ) ; أي : بالمروي الذي به ، ( مطلقا ) ; أي : عن إمام يجمع حديثه أو لا ، ( الراوي ) الذي رواه ، ( انفرد ) عن كل أحد من الثقات وغيرهم . إما بجميع المتن ; كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته ; فإنه لم يصح إلا من [ ص: 4 ] حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، وحديث : ( السفر قطعة من العذاب ) ; فإنه لم يصح إلا من جهة مالك عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، فيما ذكر غير واحد من الأئمة . لكن الغرابة فيه منتقضة برواية أبي مصعب عن عبد العزيز الدراوردي ، عن سهيل ، عن أبيه أبي صالح ، وهي صحيحة . بل وبطريق عصام بن رواد عن أبيه ، عن مالك ، عن ربيعة ، عن القاسم ، عن عائشة ، ولكنها ضعيفة ، أو ببعضه .

وذلك إما في المتن أو في السند ، فالأول بأن يأتي في متن رواه غيره بزيادة ; كحديث زكاة الفطر ، حيث قيل مما هو منتقد أيضا : إن مالكا تفرد عن سائر من رواه من الحفاظ بقوله : ( من المسلمين ) . أو كحديث أم زرع ; حيث رواه الطبراني في ( الكبير ) من رواية الدراوردي وعباد بن منصور ، كلاهما عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، فجعلاه مرفوعا كله ، وإنما المرفوع منه : ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع ) .

والثاني : كحديث أم زرع أيضا فالمحفوظ فيه رواية عيسى بن يونس وسعيد بن سلمة بن أبي حسام ، كلاهما عن هشام بن عروة ، عن أخيه عبد الله بن عروة ، عن أبيهما ، عن عائشة . ورواه الطبراني من حديث الدراوردي وعباد كما [ ص: 5 ] أشرنا إليه عن هشام ، بدون واسطة أخيه .

( فهو ) أي : ما حصل التفرد به بوجه من هذه الأوجه ، ( الغريب ) ، كما أشار إليه الترمذي في آخر كتابه ، وخصه الثوري بالثقة .

قال بعض المتأخرين : وكأنه نظر إلى أن كثرة المروي إذ ذاك عن غير الثقات . ( و ) أما أبو عبد الله ( ابن منده ) بالصرف للضرورة ، ( فحد ) ه ( بالانفراد ) ، يعني : على الوجه المشروح أولا ، لكن ( عن إمام ) من الأئمة ; كالزهري وقتادة وغيرهما ممن ( يجمع حديثه ) . والحاصل أن الغريب على قسمين : مطلق ، ونسبي ; كما ستأتي الإشارة إليه . وحينئذ فهو والأفراد كما سلف في بابها على حد سواء ، فلم حصلت المغايرة بينهما ؟ .

ولذلك قال بعض المتأخرين : إن الأحسن في تعريفه ما قاله الميانشي : وإنه ما شذ طريقه ولم يعرف راويه بكثرة الرواية ، وحينئذ فهو أخص من ذاك ; لعدم التقييد في راويه بما ذكر .

وعرفه الشهاب الخوي بأنه ما يكون متنه أو بعضه فردا عن جميع رواته ، فينفرد به الصحابي ، ثم التابعي ، ثم تابع التابعي ، وهلم جرا . أو ما يكون مرويا بطرق عن جماعة من الصحابة ، وينفرد به عن بعضهم تابعي أو بعض رواته .

وهذا يحتمل أن يكون الغريب عنده أيضا على قسمين : مطلق ومقيد . ويكون افتراق أولهما عن الفرد بالنظر لوقوع التفرد في سائر طباقه ، فهو أخص أيضا .

ويحتمل التردد بين التعريفين ، لكن قد فرق بينهما شيخنا بعد قوله : إنهما مترادفان لغة [ ص: 6 ] واصطلاحا ، بأن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته ، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق ، وهو الحديث الذي لا يعرف إلا من طريق ذلك الصحابي ، ولو تعددت الطرق إليه ، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي ، قال : وهذا من إطلاق الاسم عليهما . وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون ، فيقولون في النسبي : تفرد به فلان ، أو أغرب به فلان . انتهى .

على أن ابن الصلاح أشار إلى افتراقهما في بعض الصور ، فقال : وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب ; كما في الأفراد المضافة إلى البلاد .

قلت : إلا أن يريد بقوله : انفرد به أهل البصرة مثلا واحدا من أهلها ، فهو الغريب ، وربما يسمى كل من قسمي الغريب ضيق المخرج .

قال الحاكم في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الصلاة عن عمرو بن زرارة ، عن عبد الواحد بن واصل أبي عبيدة الحداد ، عن عثمان بن أبي رواد ، عن الزهري قال : ( دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي ، فقال : ( لا أعرف شيئا فيما أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضيعت ) : هو أضيق حديث في البخاري ، سألني عنه أبو عبد الله بن أبي ذهل - يعني أحد مشايخه - فأخرجته له ، فسمعه - يعني : سمعه شيخه منه - عن علي بن حمشاذ ، عن أحمد بن سلمة ، عن عمرو ، وكأن ضيقه مخصوص برواية الحداد عن ابن أبي رواد ، وإلا فقد علقه البخاري عقب [ ص: 7 ] تخريجه للرواية الأولى من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن أبي رواد ، ومن طريق البرساني وصله الإسماعيلي في مستخرجه ، وابن أبي خيثمة في تاريخه ، وأحمد بن علي الأبار في جمعه لحديث الزهري ، ومن طريقه رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) .

إذا علم هذا فقد قال بعضهم : الغريب من الحديث على وزان الغريب من الناس ، فكما أن غربة الإنسان في البلد تكون حقيقة بحيث لا يعرفه فيها أحد بالكلية ، وتكون إضافية بأن يعرفه البعض دون البعض ، ثم قد يتفاوت معرفة الأقل منهم تارة والأكثر أخرى ، وقد يستويان ، وكذا الحديث .

التالي السابق


الخدمات العلمية