فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ ص: 220 ] الألقاب

872 - واعن بالألقاب فربما جعل الواحد اثنين الذي منها عطل      873 - نحو الضعيف أي بجسمه ومن
ضل الطريق باسم فاعل ولن      874 - يجوز ما يكرهه الملقب
وربما كان لبعض سبب      875 - كغندر محمد بن جعفر
وصالح جزرة المشتهر

( الألقاب ) وكان الأنسب - حيث خولف الأصل في ضم من عرف باسمه إلى الكنى - أن يضم هذا إليها أيضا ، ولعله أفرده لكثرة ما فيه من التصانيف ، ( واعن ) ; أي : اجعل أيها الطالب من عنايتك الاهتمام بمعرفة ( الألقاب ) ، الماضي تعريفها في أفراد العلم قريبا للمحدثين والعلماء ومن يذكر معهم ، ( فربما جعل الواحد اثنين ) ; حيث يجيء مرة باسمه وأخرى بلقبه ، ( الذي منها ) ; أي : من معرفتها ( عطل ) ; أي : خلا ; لظنه في الألقاب أنها أسامي ، لا سيما وقد وقع ذلك لجماعة من أكابر الحفاظ ; كعلي بن المديني وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش وأبي أحمد بن عدي ; إذ فرقوا بين عبد الله بن أبي صالح أخي سهيل وبين عباد بن أبي صالح ، وجعلوهما اثنين ، وليس عباد بأخ لعبد الله ; كما أشرت إليه في الإخوة والأخوات ، بل هو لقبه حسبما قاله أحمد وابن معين وأبو حاتم الرازي وأبو داود السجستاني وموسى بن هارون بن عبد الله البغدادي ، ومحمد بن إسحاق السراج ، وربما جهله الطالب أصلا ورأسا ، كما اتفق لبعض الأعيان حيث قال لشيخنا : فتشت كتب الرجال عن تمتام فلم أقف عليه ، فقال له : هو لقب ، واسمه محمد بن غالب بن حرب ، ترجمه الخطيب ثم الذهبي وغيرهما .

وقد صنف [ ص: 221 ] في الألقاب جماعة من الأئمة الحفاظ ; كأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي ، وهو في مجلد مفيد كثير النفع ، واختصره أبو الفضل بن طاهر ; وكأبي الفضل الفلكي وأبي الوليد بن الفرضي ، محدث الأندلس ، وأبي الفرج بن الجوزي ، وهو أوسعها ، وسماه ( كشف النقاب ) ، وجمعها مع التلخيص والزيادات شيخنا في مؤلف بديع سماه ( نزهة الألباب ) ، وزدت عليه زوائد كثيرة ضممتها إليه في تصنيف مستقل .

ولقب النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه ، منهم أبو بكر ، بالصديق ، وعمر بالفاروق ، وعثمان بذي النورين ، وعلي بأبي تراب ، وخالد بن الوليد بسيف الله ، وأبو عبيدة بن الجراح بأمين هذه الأمة ، وحمزة بأسد الله ، وجعفر بذي الجناحين ، وسمى قبيلتي الأوس والخزرج الأنصار ، فغلب عليهم وعلى حلفائهم ، وكان الحسن البصري سمى محمد بن واسع سيد القراء ، وسفيان الثوري يدعو المعافى بن عمران ياقوتة العلماء ، وابن المبارك يلقب محمد بن يوسف الأصبهاني عروس الزهاد ، وأشرف من اشتهر باللقب الجليل إبراهيم الخليل وموسى الكليم وعيسى المسيح صلى الله وسلم عليهم .

وهي تارة تكون بألفاظ الأسماء ; كأشهب ، وبالصنائع والحرف ; كالبقال ، وبالصفات كالأعمش ، والكنى ; كأبي بطن ، والأنساب إلى القبائل [ ص: 222 ] والبلدان وغيرها ، وأمثلة ذلك كثيرة ، ( نحو الضعيف ) لقب عبد الله بن محمد بن يحيى أبي محمد الطرسوسي ، ( أي بجسمه ) لا في حديثه ، كما قاله عبد الغني بن سعيد المصري ، ونحوه قول النسائي : إنه لقب به ; لكثرة عبادته . يعني كأن العبادة أنهكت بدنه ، لكن قال ابن حبان : إنه قيل له ذلك ; لإتقانه وضبطه . يعني من باب الأضداد ; كما قيل لمسلم بن خالد الزنجي مع أنه كان فيما قيل أشقر كالبصلة أو أبيض مشربا بحمرة ، وكذا لهم يونس لقبه أحمد بالصدوق ولم يكن صدوقا ، وإنما قيل له ذلك على سبيل التهكم ، كما صرح به عبد الله بن أحمد ، فقال : إن أباه عنى بالصدوق الكذوب مقلوب ، ( و ) نحو ( من ضل الطريق ) ، وهو معاوية بن عبد الكريم لقب ( بـ ) الضال ( اسم فاعل ) من ضل ; لأنه كما صرح به أبو حاتم ضل في طريق مكة ، وكذا قال الطبراني في معجمه الكبير : وزاد ، فمات مفقودا ، قال : وكذا فقد معمر بن راشد وسلم بن أبي الذيال ، فلم ير لهم أثر ، ونحوه قول الحافظ عبد الغني : رجلان نبيلان لزمهما لقبان قبيحان : معاوية الضال ، وإنما ضل في طريق مكة ، وعبد الله الضعيف ، وإنما كان ضعيفا في جسمه ، [ ص: 223 ] ونحو القوي لقب للحسن بن يزيد بن فروخ أبي يونس ، لقب بذلك مع كونه كان ثقة أيضا ; لقوته على العبادة والطواف ، حتى قيل : إنه بكى حتى عمي وصلى حتى حدب ، وطاف حتى أقعد ، كان يطوف في كل يوم سبعين أسبوعا .

ثم إن الألقاب تنقسم إلى ما لا يكرهه الملقب به ; كأبي تراب ، لعلي بن أبي طالب ; فإنه لم يكن له اسم أحب إليه منه ، كما قدمته ، وكبندار لمحمد بن بشار ; لكونه كما قال الفلكي : كان بندار الحديث ، وإلى ما يكرهه ; كأبي الزناد وعلي بن رباح ومشكدانة ، فالأول جائز ذكره به في الرواية وغيرها ، سواء عرف بغيره أم لا ، ما لم يرتق إلى الإطراء المنهي عنه ، فليس بجائز ، ( ولن يجوز ) أيضا ( ما يكرهه الملقب ) إلا إذا لم يتوصل لتعريفه إلا به ، كما أوضحناه في أواخر آداب المحدث بما أغنى عن إعادته ، ويتأكد التحريم في التلقيب المبتكر من الملقب ، فعن ابن عمر مرفوعا - كما عند الحاكم وغيره : ( ما من رجل رمى رجلا بكلمة يشينه بها إلا حبسه الله يوم القيامة في طينة الخبال حتى يخرج منها ) .

( و ) من المهم معرفة أسبابها فـ ( ربما كان لبعض ) منها ( سبب ) ، يعني : ظاهر ، وإلا فكلها لا تخلو عن أسباب . ويستفاد الكثير من ذلك من جزء سمعته للحافظ أبي محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري سماه ( أسباب الأسماء ) كالضعيف والصدوق والقوي والضال مما ذكر هنا ، وأبي الرجال وأبي الآذان ، مما ذكر في النوع قبله ومطين مما ذكر في متى يصح تحمل الحديث ؟ ومشكدانة مما [ ص: 224 ] ذكر في أدب المحدث ، والنبيل لأبي عاصم الضحاك بن مخلد ; لكونه لما بلغه أن شعبة حلف أن لا يحدث لأمر عرض له ، قال له : حدث وغلامي فلان حر . فقال له شعبة : أنت نبيل . وقيل في سبب ذلك غير هذا ، وصاعقة لمحمد بن عبد الرحيم لشدة مذاكرته وحفظه ، وغنجار لعيسى بن موسى أبي أحمد التميمي البخاري ; لحمرة وجنتيه ، وخت ليحيى بن موسى شيخ البخاري ; لأنها كلمة كانت تجري على لسانه ، ولوين لمحمد بن سليمان ; لكونه - كما قال الطبري - كان يبيع الدواب ببغداد فيقول : هذا الفرس له لوين ، هذا الفرس له قديد ، ولكن قد نقل عنه قوله : لقبتني أمي لوينا ، وقد رضيت به . و ( كغندر ) بضم المعجمة ثم نون ساكنة بعدها دال مهملة مفتوحة ثم راء ، ( محمد بن جعفر ) ; لكونه كان يكثر الشغب على ابن جريج حين قدم البصرة ، فقال له ابن جريج : اسكت يا غندر . قال عبيد الله ابن عائشة العيشي : وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا . وقال أبو عمر غلام ثعلب : الغندر الصيخ . وأغرب أبو جعفر النحاس فزعم في تأليفه الاشتقاق أنه من الغدر ، وأن نونه زائدة وداله تضم وتفتح .

على أن البلقيني قال : إن التشغيب في ضمنه ما يشبه الغدر ، فحينئذ لا يكون مخالفا ، ولم ينفرد بالتلقيب بذلك ، بل شاركه فيه سبعة ممن اتفق معه أيضا في الاسم واسم الأب ، واثنان [ ص: 225 ] ممن اتفق معه في الاسم خاصة في اثنين ، اسم كل منهما أحمد ، أوردتهم في تصنيفي المشار إليه ، والماجشون ليعقوب بن أبي سلمة ; لأنه كان أبيض أحمر ( و ) كـ ( صالح ) هو ابن محمد بن عمرو بن حبيب أبي علي البغدادي ، ثم البخاري ، الملقب ( جزرة ) بجيم ثم زاء منقوطة ثم راء مفتوحات وهاء تأنيث ، ( المشتهر ) بالحفظ والإتقان والضبط والثقة ; لكونه حكى عن نفسه مما رواه الحاكم أنه صحف خرزة في حديث عبد الله بن بسر أنه كان يرقى بخرزة ، يعني بمعجمة ثم راء ثم زاء منقوطة ، إذ سئل من أين سمعت ؟ فقال : من حديث الجزرة . يعني بجيم ثم زاء منقوطة ثم راء ، وذلك في حداثته ، قال : فبقيت علي . وقيل : في هذه الحكاية عنه وجه آخر ، وأنه قرأ على بعض شيوخ الشام القادمين عليهم حدثكم حريز بن عثمان ؟ قال : كان لأبي أمامة خرزة يرقي بها المريض فقالها ( جزرة ) . وقيل : إنه كان يقرأ على الذهلي في الزهريات ، فلما بلغ حديث عائشة أنها كانت تسترقي من الخرزة ، فقال : من الجزرة . فلقب به . وغلط الخطيب آخرها ، وبالجملة فهي متفقة على أن السبب تصحيفه خرزة ، نعم ، قيل في السبب ما يخالفه ، وهو أنه لما كان في الكتاب أهدى الصبيان للمؤدب هدايا فكانت هديته هو جزرة ; فلقبه المؤدب بها وبقيت عليه ، والأول أشهر ، واتفق أنه كان يوما يمشي مع رفيق له يلقب الجمل ، فمر جمل عليه جزر ، فقال له رفيقه : ما هذا ؟ قال : أنا عليك . وكان مذكورا كما أشير إليه في [ ص: 226 ] التصحيف بكثرة المزاح ، وفي ترجمته من ذلك ما يستظرف ، وكابن دقيق العيد فإن الملقب بذلك جده وهب ; لكونه خرج يوما من بلده قوص وعليه طيلسان أبيض وثوب أبيض ، فقال شخص بدوي : كأن قماش هذا يشبه دقيق العيد . يعني في البياض ; فلزمه ذلك .

ومن ظريف هذا النوع يموت ، لقب لمحمد بن المزرع بن يموت البغدادي الأخباري كان يقول فيما روينا عنه : بليت بالاسم الذي سماني به أهلي ; فإني إذا عدت مريضا فاستأذنت عليه فقيل : من ذا ؟ أسقط اسمي ، وأقول : ابن المزرع . فكأن محمدا ليس أصليا ، وبه جزم بعضهم ، وإنه هو المسمي نفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية