فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
فروع .


105 - قول الصحابي " من السنة " أو نحو " أمرنا " حكمه الرفع ولو      106 - بعد النبي قاله بأعصر
على الصحيح وهو قول الأكثر      107 - وقوله " كنا نرى " إن كان مع
عصر النبي من قبيل ما رفع      108 - وقيل لا ، أو لا فلا ، كذاك له
وللخطيب قلت لكن جعله      109 - مرفوعا الحاكم والرازي
ابن الخطيب وهو القوي

.

[ ص: 141 ] فروع سبعة حسن إيرادها بعد الانتهاء من كل من المرفوع والموقوف : أحدها - وقدم على غيره ، مما يصدر عن الصحابي لقربه إلى الصراحة - ( قول الصحابي ) - رضي الله عنه - ( من السنة ) كذا ; كقول علي - رضي الله عنه - : ومن السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة . ( أو نحو أمرنا ) بالبناء للمفعول ، كأمر فلان .

وكنا نؤمر ، وأمر بلا إضافة ، ونهينا ; كقول أم عطية - رضي الله عنها - : أمرنا أن نخرج إلى العيدين العواتق وذوات الخدور و أمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين ، و نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا وأبيح أو رخص لنا ، أو حرم أو أوجب علينا ، كل ذلك مع كونه موقوفا لفظا ( حكمه الرفع ولو بعد ) وفاة ( النبي ) - صلى الله عليه وسلم - ( قاله ) الصحابي ( بأعصر ) فضلا عن كونه بعده بيسير ، أو في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لكنه في الزمن النبوي في " أمرنا " أبعد عن الاحتمال فيما يظهر .

ويساعده تصريح بعض أئمة الأصول بقوة الاحتمال " في السنة " ; لكثرة استعمالها في الطريقة ، وسواء قاله في محل الاحتجاج أم لا ، تأمر عليه غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا ، كبيرا كان أو صغيرا .

وإن لم أر تصريحهم به في الصغير ، فهو محتمل ، ويمكن إخراجه من تقييد الحاكم الصحابي بالمعروف الصحبة ، وكذا من التفرقة بين المجتهد وغيره ، كما سيأتي ، وما تقدم في المسألتين هو ( على الصحيح ) عند المحدثين والفقهاء والأصوليين .

ونص الشافعي في الأم في " باب عدد كفن الميت " بعد أن ذكر ابن عباس [ ص: 142 ] والضحاك بن قيس : وابن عباس والضحاك رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقولان السنة إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن البيهقي قد جزم بنفي الخلاف عن أهل النقل فيهما ، وأنه مسند ، يعني مرفوع .

وكذا شيخه الحاكم ; حيث قال في الجنائز من ( مستدركه ) أجمعوا على أن قول الصحابي : من السنة كذا ، حديث مسند ، وقال في موضع آخر : إذا قال الصحابي أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا ، أو كنا نفعل كذا ، أو كنا نتحدث - فإني لا أعلم بين أهل النقل خلافا فيه أنه مسند .

وممن حكى الاتفاق أيضا لكن في السنة ابن عبد البر ، والحق ثبوت الخلاف فيهما ، نعم قيد ابن دقيق العيد محل الخلاف بما إذا كان المأمور به يحتمل التردد بين شيئين ، أما إذا كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ; كحديث : " أمر بلال أن يشفع الأذان ، فهو محمول على الرفع قطعا .

وممن ذهب إلى خلاف ما حكيناه فيهما من الشافعية أبو بكر الصيرفي صاحب الدلائل ، ومن الحنفية أبو الحسن الكرخي ، وفي السنة فقط الشافعي في أحد قوليه من الجديد ، كما جزم الرافعي بحكايتهما عنه ، ورجحه جماعة ، بل [ ص: 143 ] حكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحققين .

ومن الحنفية أبو بكر الرازي ، وابن حزم من الظاهرية ، وبالغ في إنكار الرفع ; مستدلا بقول ابن عمر رضي الله عنهما : أليس حسبكم سنة نبيكم ; إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حل من كل شيء ، حتى يحج عاما قابلا فيهدي ; أو يصوم إن لم يجد هديا .

قال : لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقع منه إذ صد ما ذكره ابن عمر ، بل حل حيث كان بالحديبية . وكذا من أدلتهم لمنع الرفع استلزامه ثبوت سنة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر محتمل ; إذ يحتمل إرادة سنة غيره من الخلفاء ، فقد سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة في قوله : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين أو سنة البلد ، وهي الطريقة ، أو نحو ذلك .

ونحوه تعليل الكرخي لـ " أمرنا " بأنه متردد بين كونه مضافا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو إلى أمر القرآن ، أو الأمة ، أو بعض الأئمة ، أو القياس والاستنباط ، وسوغ إضافته إلى صاحب الشرع - يعني لكونه صاحب الأمر حقيقة - بناء على أن القياس مأمور باتباعه من الشارع .

قال : وهذه احتمالات تمنع كونه مرفوعا ، وفي " أمرنا " فقط - كما قال ابن الصلاح - فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي .

وخص ابن الأثير - كما في مقدمة جامع الأصول له - نفي الخلاف فيها بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خاصة ; إذ لم [ ص: 144 ] يتأمر عليه أحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف غيره ، فقد تأمر عليهم أبو بكر وغيره من الأمراء في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ، ووجب عليهم امتثال أمره ، فطرقه الاحتمال الناشئ عنه الاختلاف .

ونحوه قول غيره في أمر بلال أن يشفع الأذان أنه نظر ، فلم يجد أحدا تأمر عليه في الأذان غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فتمحض أن يكون هو الآمر .

ويتأيد بالرواية المصرحة بذلك ، وكذا قال آخر : ينبغي أن يقيد الاختلاف فيهما ، بما إذا كان في غير محل الاحتجاج ، أما في محل الاحتجاج فإن المجتهد لا يقلد مثله ، فلا يريد بالسنة وبالأمر والنهي إلا من له ذلك حقيقة ، لكن الأول هو الصحيح فيهما كما تقدم .

( وهو قول الأكثر ) من العلماء ; إذ هو المتبادر إلى الذهن من الإطلاق ; لأن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل ، وسنة غيره تبع لسنته ، وكذلك الأمر والنهي لا ينصرف بظاهره إلا لمن هو إليه ، وهو الشارع - صلى الله عليه وسلم - ، وأمر غيره تبع ، فحمل كلامهم على الأصل أولى ، خصوصا والظاهر أن مقصود الصحابة بيان الشرع .

وقال ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول في " أبيح " وما بعدها يقوى في جانبه ألا يكون مضافا إلا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأن هذه الأمور له دون غيره ، قال : ولا يقال : أوجب الإمام إلا على تأويل .

واستدلال ابن حزم الماضي للمنع بقول ابن عمر - ممنوع بأنه لا انحصار لمستنده في الفعل ، حتى يمنع إرادة ابن عمر بالسنة الرفع فيمن صد عن الحج ممن هو بمكة بقصة الحديبية التي صد فيها عن دخولها ، بل الدائرة أوسع من القول أو الفعل أو غيرهما ، ويتأيد بإضافته السنة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 145 ] وكذا ما أبداه الكرخي من الاحتمالات في المنع أيضا بعيد - كما قاله شيخنا - " فإن أمر الكتاب ظاهر للكل ، فلا يختص بمعرفته الواحد دون غيره ، وعلى تقدير التنزل فهو مرفوع ; لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الأمة لا يمكن الحمل عليه ; لأن الصحابي من الأمة ، وهو لا يأمر نفسه .

وأمر بعض الأئمة إن أراد من الصحابة مطلقا فبعيد ; لأن قوله ليس حجة على غيره منهم ، وإن أراد من الخلفاء فكذلك ; لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع بهذا الكلام والفتوى ، فيجب حمله على من صدر منه الشرع ، وبالجملة فهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر ، إلا أن يكون القائل ليس من مجتهدي الصحابة ، فيحتمل أنه يريد بالآمر أحد المجتهدين منهم .

وحمله على القياس والاستنباط بعيد أيضا ; لأن قوله : " أمرنا بكذا " يفهم منه حقيقة الأمر والنهي ، لا خصوص الأمر باتباع القياس ، وما قاله ابن الأثير في الصديق فهو - كما قال شيخنا وغيره - مقبول ، وإن تأمر عمرو بن العاص في غزوة " ذات السلاسل " على جيش فيه الشيخان ، أرسل بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - في مدد ، وأمر عليه أبا عبيدة الجراح ، فلما قدم بهم على عمرو صار الأمير ، بل كان أبو عبيدة أمير سرية " الخبط " على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار ، فيهم عمر ، وأظن أبا بكر أيضا .

وكذا تأمر أسامة بن زيد على جيش هما فيه ، وأبو عبيدة وخلق من المهاجرين والأنصار ، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه ، فأنفذه أبو بكر بعد أن استخلف ; امتثالا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : إن أبا بكر سأل أسامة أن يأذن لعمر في الإقامة ، فأذن له ، وفي شرحها طول .

[ ص: 146 ] وبالجملة فقد ثبت أن كلا من أبي عبيدة وعمرو وأسامة تأمر عليهما ، وصار ذلك أحد الأدلة في ولاية المفضول على الفاضل أو بحضرته ، فطروق الاحتمال فيه بعيد جدا .

وما قيل في بلال ليس بمتفق عليه ، فلابن أبي شيبة وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر مدة خلافته ، ولم يؤذن لعمر ، [ نعم عند أبي داود عن سعيد بن المسيب ; أن بلالا لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يخرج إلى الشام ، فقال له أبو بكر : تكون عندي ، قال : إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني ، وإن كنت أعتقتني لله فذرني ، فذهب إلى الشام ، فكان بها حتى مات - رضي الله عنه - ، وهو أصح مما قبله ، وهو ] مقتضى قول مالك : لم يؤذن لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى مرة لعمر حين دخل الشام ، فبكى الناس بكاء شديدا .

ومن أدلة الأكثرين سوى ما تقدم ما رواه البخاري في صحيحه عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ; أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله - يعني ابن عمر رضي الله عنهما - كيف نصنع في الموقف يوم عرفة ؟ فقال سالم : إن كنت تريد السنة ، فهجر بالصلاة يوم عرفة .

فقال ابن عمر : صدق ، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة .

قال الزهري : فقلت لسالم : أفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : وهل يتبعون في ذلك إلا سنته
. انتهى .

وكل ما سلف فيما إذا لم يضف السنة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلو أضافها - كقول عمر للصبي بن معبد : هديت لسنة نبيك - فمقتضى كلام الجمهور السابق [ ص: 147 ] الرفع ، بل أولى ، وابن حزم يخالف فيه كما تقدم ، بل نقل أبو الحسين بن القطان عن الشافعي أنه قال : قد يجوز أن يراد بذلك ما هو الحق من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وجزم البلقيني في محاسنه بأنها على مراتب في احتمال الوقف قربا وبعدا ، فأرفعها مثل قول ابن عباس : " الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم " ، ودونها قول عمرو بن العاص : " لا تلبسوا علينا سنة نبينا ، عدة أم الولد كذا " ، ودونها قول عمر لعقبة بن عامر : " أصبت السنة " ; إذ الأول أبعد احتمالا ، والثاني أقرب احتمالا ، والثالث لا إضافة فيه . انتهى .

وقال غيره في قول عمرو بن العاص : قال الدارقطني : الصواب فيه : لا تلبسوا علينا ديننا . موقوف ; فدل قوله هذا على أن الأول مرفوع ، أما إذا صرح بالآمر ; كقوله : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا ، أو سمعته يأمر بكذا ، فهو مرفوع بلا خلاف ; لانتفاء الاحتمال السابق .

لكن حكى القاضي أبو الطيب الطبري ، وتلميذه ابن الصباغ في " العدة " عن داود الظاهري وبعض المتكلمين - : أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه ; لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فيحتمل أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا ، وليست كذلك في نفس الأمر .

وقال الشارح : إنه ضعيف مردود ، ثم وجهه بما له وجه في الجملة ، [ ص: 148 ] ووجهه غيره بجواز أن نحو هذا من الرواية بالمعنى ، وهم ممن لا يجوزها .

وأما شيخنا فرده أصلا فيما نقله عن غيره ; حيث قال : وأجيب بأن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة - أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي ، من غير شك ، نفيا للتلبيس عنه ، لنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس أمرا ولا نهيا .

تتمة : قول الصحابي : إني لأشبهكم صلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وما أشبه كـ " لأقربن لكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " - كله مرفوع . وهل يلتحق التابعي بالصحابي في " من السنة " أو " أمرنا " ؟ سيأتي في خامس الفروع .

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت " هو كقوله : " أمرني الله " ; لأنه لا آمر له إلا الله ، كما سيأتي نظيره في " يرفعه " ، و " يرويه " ، وأمثلته كثيرة .

فمن المتفق عليه : أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون : يثرب " ومن غيره : أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة .

والحاصل أن من اشتهر بطاعة كبير إذا قال ذلك ، فهم منه أن الآمر له هو ذلك الكبير ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية