فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ تعارض الرفع والوقف ] : ( ورأوا ) أي : أهل الحديث في تعارض الوقف والرفع ، بأن يروي الحديث بعض الثقات مرفوعا ، وبعضهم موقوفا ، وهي المسألة الثانية ( أن الأصح ) كما قال ابن الصلاح ( الحكم للرفع ) ; لأن راويه مثبت وغيره ساكت ، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه ; لأنه علم ما خفي عليه .

والثاني : أن الحكم لمن وقف ، حكاه الخطيب أيضا عن أكثر أصحاب الحديث ، وفيها ثالث أشار إليه ابن الجوزي في موضوعاته ; حيث قال : إن البخاري ومسلما تركا أشياء تركها قريب ، وأشياء لا وجه لتركها ، فمما لا وجه لتركه أن يرفع الحديث ثقة فيقفه آخر ، فترك هذا لا وجه له ; لأن الرفع زيادة ، والزيادة من الثقة مقبولة ، إلا أن يقفه الأكثرون ويرفعه واحد ، فالظاهر غلطه ، وإن كان من الجائز أن يكون حفظ دونهم . انتهى .

ونحوه قول الحاكم : قلت للدارقطني : فخلاد بن يحيى ؟ فقال : ثقة ، إنما أخطأ في حديث واحد ، فرفعه ووقفه الناس ، وقلت له : فسعيد بن عبيد الله [ ص: 220 ] الثقفي ؟ فقال : ليس بالقوي ، يحدث بأحاديث يسندها وغيره يقفها ، ولكن الأول كما تقدم أصح .

( ولو ) كان الاختلاف ( من ) راو ( واحد في ذا وذا ) أي : في كل من الموضعين ; كأن يرويه مرة متصلا أو مرفوعا ، ومرة مرسلا أو موقوفا ( كما حكوا ) أي : الجمهور ، وصرح ابن الصلاح بتصحيحه .

وعبارة الناظم في تخريجه الكبير للإحياء عقب حديث اختلف راويه في رفعه ووقفه : الصحيح الذي عليه الجمهور أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعا وموقوفا فالحكم للرفع ; لأن معه في حالة الرفع زيادة ، هذا هو المرجح عند أهل الحديث . انتهى .

وأما الأصوليون فصحح بعضهم - كالإمام فخر الدين وأتباعه - أن الاعتبار في المسألتين بما وقع منه أكثر ، وزعم بعضهم أن الراجح من قول أئمة الحديث في كليهما التعارض ، على أن الماوردي قد نقل عن الشافعي - رحمه الله - أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي ، والمسند على أنه روايته ، يعني فلا تعارض حينئذ .

ونحوه قول الخطيب : اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفا ; لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث ويرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة ، ويذكر مرة على سبيل الفتوى بدون رفع ، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعا .

لكن خص شيخنا هذا بأحاديث الأحكام ، أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر ; يعني في توجيه الإطلاق ، وإلا فقد تقدم أن حكمه الرفع لا سيما وقد رفعه أيضا .

ثم إن محل الخلاف - كما قاله ابن عبد الهادي إذا - اتحد السند ، أما إذا [ ص: 221 ] اختلف فلا يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزما ، كرواية ابن جريج عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر رفعه : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس الحديث في صلاة الخوف .

ورواه ابن جريج أيضا ، عن ابن كثير ، عن مجاهد من قوله ، فلم يعدوا ذلك علة لاختلاف السندين فيه ، بل المرفوع في صحيح البخاري ، ولشيخنا " بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل " ، و " مزيد النفع لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع " .

التالي السابق


الخدمات العلمية