فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ أصناف الواضعين ] ( والواضعون ) جمع واضع ( للحديث ) وهم جمع كثيرون معروفون في كتب الضعفاء خصوصا ( الميزان ) للذهبي و " لسانه " لشيخنا ، بل أفردهم الحافظ البرهان الحلبي في تأليف سماه ( الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث ) وهو قابل للاستدراك ، ويختلف حالهم في الكثرة والقلة .

وفي السبب الحامل لهم على الوضع ( أضرب ) أي : أصناف ، فصنف كالزنادقة ، وهم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام ، أو الذين لا يتدينون بدين ، يفعلون ذلك استخفافا بالدين ; ليضلوا به الناس .

فقد قال حماد بن زيد فيما أخرجه العقيلي : إنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث .

وقال المهدي فيما رويناه عنه : أقر عندي رجل من الزنادقة بوضع مائة حديث ، فهي تجول في أيدي الناس .

ومنهم : الحارث الكذاب الذي ادعى النبوة ، ومحمد بن سعيد المصلوب ، والمغيرة بن سعيد الكوفي ، وغيرهم كعبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة ، الذي أمر بقتله وصلبه محمد بن سليمان بن علي العباسي أمير البصرة في [ ص: 317 ] زمن المهدي ، بعد الستين ومائة ، واعترف حينئذ بوضع أربعة آلاف حديث تحرم حلالها وتحل حرامها .

وصنف كالخطابية ، فرقة من غلاة الشيعة المشايعين عليا - رضي الله عنه - ينتسبون لأبي الخطاب الأسدي ، كان يقول بالحلول في أناس من أهل البيت على التعاقب ، ثم ادعى الإلهية وقتل .

وهذه الطائفة مندرجة في الرافضة ; إذ الرافضة فرق متنوعة من الشيعة ، وانتسبوا كذلك ; لأنهم بايعوا زيد بن علي ، ثم قالوا له : تبرأ من الشيخين فأبى ، وقال : كانا وزيري جدي - صلى الله عليه وسلم - فتركوه ورفضوه .

وكالسالمية : فرقة ينتسبون لمذهب الحسن بن محمد بن أحمد بن سالم السالمي في الأصول ، وكان مذهبا مشهورا بالبصرة وسوادها ، فهؤلاء كلهم يفعلونه انتصارا وتعصبا لمذهبهم .

وقد روى ابن أبي حاتم في مقدمة كتاب ( الجرح والتعديل ) عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب : انظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ، زاد غيره في رواية : ونحتسب الخير في إضلالكم .

وكذا قال محرز أبو رجاء ، وكان يرى القدر فتاب منه : لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئا ، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ، ندخل بها الناس في القدر ، نحتسب بها إلى غير ذلك .

بل قال الشافعي - كما سيأتي في معرفة من تقبل روايته - : ما في [ ص: 318 ] أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة .

وصنف يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وآراءهم ; ليكون كالعذر لهم فيما أتوه وأرادوه ; كغياث بن إبراهيم النخعي ; حيث وضع للمهدي محمد بن المنصور عبد الله العباسي والد هارون الرشيد في حديث : لا سبق إلا في نصل أو خف ، فزاد فيه : " أو جناح " .

وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام ، فأمر له ببدرة يعني عشرة آلاف درهم ، فلما قفى قال : أشهد على قفاك أنه قفا كذاب ، ثم ترك الحمام ، وأمر بذبحها وقال : أنا حملته على ذلك ، ذكرها أبو خيثمة .

لكن أسند الخطيب في ترجمة وهب بن وهب أبي البختري من ( تأريخه ) من طريق إبراهيم الحربي أنه قال : قيل للإمام أحمد : أتعلم أن أحدا روى : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح " ؟ فقال : ما روى ذاك إلا ذاك الكذاب أبو البختري .

بل روى الخطيب في ترجمته أيضا من طريق زكريا الساجي أن أبا البختري دخل وهو قاض على الرشيد ، وهو إذ ذاك يطير الحمام ، فقال : هل تحفظ في هذا شيئا ، فقال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطير الحمام ، فقال الرشيد : اخرج عني ، ثم قال : لولا أنه رجل من قريش لعزلته .

وصنف في ذم من يريدون ذمه ، كما روينا عن سعد بن طريف الإسكاف المخرج له في الترمذي ، وابن ماجه أنه رأى ابنه يبكي فقال : ما لك ؟ قال : ضربني المعلم ، فقال : أما والله لأخزينهم ، حدثني عكرمة ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : معلمو صبيانكم شراركم .

[ ص: 319 ] وصنف كانوا يتكسبون بذلك ، ويرتزقون به في قصصهم ومواعظهم .

وصنف يلجئون إلى إقامة دليل على ما أفتوا فيه بآرائهم فيضعونه .

وقد حصل الضرر بجميع هؤلاء و ( أضرهم قوم لزهد ) وصلاح ( نسبوا ) ; كأبي بشر أحمد بن محمد المروزي الفقيه ، وأبي داود النخعي ( قد وضعوها ) أي : الأحاديث في الفضائل والرغائب ( حسبة ) أي : للحسبة بمعنى أنهم يحتسبون بزعمهم الباطل وجهلهم ، لا يفرقون بسببه بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم في صنيعهم ذلك - الأجر وطلب الثواب ; لكونهم يرونه قربة ، ويحتسبون أنهم يحسنون صنعا .

كما يحكى عمن كان يتصدى للشهادة برؤية هلال رمضان من غير رؤية ; زاعما للخير بذلك ; لكون اشتغال الناس بالتعبد بالصوم يكفهم عن مفاسد تقع منهم ذلك اليوم ( فقبلت ) تلك الموضوعات ( منهم ركونا لهم ) بضم الميم ; أي ميلا إليهم ووثوقا بهم ; لما اتصفوا به من التدين .

( ونقلت ) عنهم على لسان من هو في الصلاح والخيرية بمكان ; لما عنده من حسن الظن وسلامة الصدر ، وعدم المعرفة المقتضي لحمل ما سمعه على الصدق ، وعدم الاهتداء لتمييز الخطأ من الصواب ( فقيض الله لها ) أي لهذه الموضوعات ( نقادها ) جمع ناقد يقال : نقدت الدراهم ، إذا استخرجت منها الزيف ، وهم الذين خصهم الله بنور السنة ، وقوة البصيرة ، فلم تخف عنهم حال مفتر ، ولا زور كذاب .

( فبينوا بنقدهم فسادها ) ، وميزوا الغث من السمين ، والمزلزل من المكين ، وقاموا بأعباء ما تحملوه ، ولذا لما قيل لابن المبارك : هذه الأحاديث المصنوعة ؟ قال : تعيش لها الجهابذة ، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر : 9 ] . انتهى .

[ ص: 320 ] ومن حفظه هتك من يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال الدارقطني : يا أهل بغداد ، لا تظنوا أن أحدا يقدر أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا حي ، وقد تعين جماعة من كل هذه الأصناف عند أهل الصنعة وعلماء الرجال .

ولذلك - لا سيما الأخير - أمثلة ( نحو ) ما رويناه عن ( أبي عصمة ) بكسر أوله نوح بن أبي مريم القرشي مولاهم المروزي قاضيها في حياة شيخه أبي حنيفة ، والملقب لجمعه بين التفسير ، والحديث ، والمغازي ، والفقه مع العلم بأمور الدنيا - الجامع .

( إذ رأى الورى ) أي الخلق ( زعما ) بتثليث الزاي باطلا منه ( نأوا ) أي : أعرضوا ( عن القرآن ) بنقل حركة الهمزة - كقراءة ابن كثير - واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازي ابن إسحاق ، مع أنهما من شيوخه ( فافترى ) أي : اختلق ( لهم ) أي : للورى من عند نفسه حسبة باعترافه حسب ما نقله عنه أبو عمار أحد المجاهيل ( حديثا في فضائل السور ) كلها سورة سورة .

ورواه عن عكرمة ( عن ابن عباس ) - رضي الله عنهما - ( فبئس ) كما زاده الناظم ( ما ابتكر ) في وضع هذا الحديث ، وما أدركه من الإثم بسببه ، وممن صرح بوضع أبي عصمة له الحاكم ، وكأنه ثبت عنده الطريق إليه به .

وقال هو وابن حبان : إنه جمع كل شيء إلا الصدق ، و ( كذا الحديث ) الطويل ( عن أبي ) هو ابن كعب - رضي الله عنه - في فضائل سور القرآن أيضا ( اعترف راويه بالوضع ) له .

فقد روى الخطيب من طريق أبي عبد الرحمن المؤمل بن إسماعيل العدوي البصري ثم المكي المتوفى بعد المائتين .

وكان - كما قال أبو حاتم - [ ص: 321 ] شديدا في السنة ، ورفع أبو داود من شأنه ، ما معناه : أنه لما سمعه من بعض الشيوخ سأله عن شيخه فيه ، فقال : رجل بالمدائن وهو حي ، فارتحل إليه ، فأحال على شيخ بواسط ، فارتحل إليه ، فأحال على شيخ بالبصرة ، فارتحل إليه ، فأحال على شيخ بعبادان .

قال المؤمل : فلما صرت إليه ، أخذ بيدي فأدخلني بيتا ، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ ، فقال : هذا الشيخ حدثني ، فقلت له : يا شيخ ، من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : لم يحدثني به أحد ، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن ، فوضعنا لهم هذا الحديث ; ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن .

وعن ابن المبارك فيما رواه ابن الجوزي من طريقه قال : أظن الزنادقة وضعته ، بل قيل : إن أبا عصمة واضع الذي قبله هو الذي وضع هذا أيضا .

وعلى كل حال فهو موضوع ، وإن كان له عن أبي طرق ( وبئس ) كما زاده الناظم أيضا ( ما اقترف ) أي : اكتسب واضعه ( و ) لهذا ( كل من أودعه كتابه ) في التفسير ( كـ ) أبي الحسن علي بن أحمد ( الواحدي ) بمهملتين .

قال ابن أم مكتوم : لا أدري لم نسب كذلك ، إلا أنه يقال : هو واحد قومه وواحد أمه ، فلعله نسب إلى أب أو جد ، أو قريب هذه صفته ، وأبي بكر بن مردويه ، وأبي إسحاق الثعلبي ، وأبي القاسم الزمخشري .

وفي فضائل القرآن كأبي بكر بن أبي داود الحافظ ابن الحافظ فهو ( مخطئ ) في ذلك ( صوابه ) ; إذ الصواب تجنب إيراد الموضوع إلا مقرونا ببيانه كما تقدم ، والزمخشري [ ص: 322 ] أشدهم خطأ ; حيث أورده بصيغة الجزم غير مبرز لسنده ، وتبعه البيضاوي بخلاف الآخرين ، فإنهم ساقوا إسناده .

وإن حكينا فيما تقدم قريبا عدم جوازه أيضا ( وجوز الوضع ) على النبي - صلى الله عليه وسلم - ( على ) وجه ( الترغيب ) للناس في الطاعة وفضائل الأعمال ( قوم ) أبي عبد الله محمد ( ابن كرام ) بالتشديد على المشهور ; كما قاله شيخنا وغيره ، وكذلك ضبطه الخطيب وابن ماكولا وابن السمعاني ، وجزم به مسعود الحارثي . وقال ابن الصلاح : إنه لا يعدل عنه .

وأباه متكلم الكرامية محمد بن الهيثم فقال : المعروف في ألسنة المشايخ - يعني : مشايخهم - بالفتح والتخفيف ، وزعم أنه بمعنى كرامة أو كريم ، فقال : ويقال : بكسر الكاف على لفظ جمع كريم ، قال : وهو الجاري على ألسنة أهل سجستان ، وقول أبي الفتح البستي فيه ، وكان ولعا بالجناس :


إن الذين بجهلهم لم يقتدوا بمحمد بن كرام غير كرام     الفقه فقه أبي حنيفة وحده
والدين دين محمد بن كرام

- شاهد للتخفيف فيه [ إن لم يكن ضرورة ] ، وهو السجستاني الذي كان عابدا زاهدا ثم خذل - كما قال ابن حبان - فالتقط من المذاهب أردأها ، ومن الأحاديث أوهاها ، وصحب أحمد بن عبد الله الجوباري ، فكان يضع له الحديث [ ص: 323 ] على وفق مذهبه .

( و ) كذا جوزوا الوضع ( في الترهيب ) زجرا عن المعصية ، محتجين في ذلك - مع كونه خلاف إجماع من يعتد به من المسلمين - بأن الكذب في الترغيب والترهيب هو للشارع - صلى الله عليه وسلم - ; لكونه مقويا لشريعته ، لا عليه ، والكذب عليه إنما هو كأن يقال : إنه ساحر ، أو مجنون أو نحو ذلك ، مما يقصد شينه به ، وعيب دينه ، وبزيادة : " ليضل به الناس " في حديث : من كذب علي متعمدا التي هي مقيدة للإطلاق .

وبكون حديث : " من كذب " إنما ورد في رجل معين ، ذهب إلى قوم وادعى أنه رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فحكم في دمائهم وأموالهم ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بقتله ، فقال هذا الحديث .

وفي هذه متمسك للمحتسبين أيضا الذين هم أخص من هؤلاء ، لكنها مردودة عليهما .

[ وجوه الرد على المحتسبين ] أما الأول - كما قال شيخنا - جهل منهم باللسان ; لأنه كذب عليه في وضع الأحكام ، فإن المندوب قسم منها ، ويتضمن ذلك الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب .

وأما الثاني : فالزيادة المذكورة اتفق الأئمة على ضعفها ، وعلى تقدير قبولها فاللام ليست للتعليل ، وإنما هي لام العاقبة أي : يصير كذبهم للإضلال ; كما في قوله تعالى : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [ القصص : 8 ] وهم [ ص: 324 ] لم يلتقطوه لأجل ذلك ، أو لام التأكيد - يعني كما قاله الطحاوي - ولا مفهوم لها ; كما في قوله تعالى : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم [ الأنعام : 144 ] ; لأن افتراءه الكذب على الله محرم مطلقا ; سواء قصد به الإضلال ، أم لم يقصد .

وأما الثالث : فالسبب المذكور لم يثبت إسناده ، ولو ثبت لم يكن لهم فيه متمسك ; لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ونحو هذا المذهب الرديء قول محمد بن سعيد الآتي قريبا ، ومما يرد به على أهل هذا المذهب أن فيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها ، فقد قال تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : 38 ] .

وقول القائل : إن ذلك تكرر على الأسماع وسقط وقعه ، وما هو جديد فوقعه أعظم ، هو كما قال الغزالي في الإحياء : هوس والكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكبائر التي لا يقاومها شيء ; بحيث لا تقبل رواية من فعله ، وإن تاب وحسنت توبته كما سيأتي ، بل بالغ أبو محمد الجويني فكفر متعمده .

( والواضعون ) أيضا ( بعضهم قد صنعا ) ما وضعه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلاما مبتكرا ( من عند نفسه وبعض ) منهم قد ( وضعا كلام بعض الحكماء ) أو الزهاد ، أو الصحابة ، أو ما يروى في الإسرائيليات ( في المسند ) المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ; ترويجا له .

وقد روى العقيلي في الضعفاء عن محمد بن سعيد ، كأنه المصلوب ، أنه لا [ ص: 325 ] بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسنادا .

وذكر الترمذي في العلل التي بآخر ( جامعه ) عن أبي مقاتل الخراساني ; أنه حدث عن عون بن أبي شداد وبأحاديث طوال في وصية لقمان ، فقال له ابن أخيه : يا عم ، لا تقل : حدثنا عون ، فإنك لم تسمع منه هذا ، فقال : يابن أخي ، إنه كلام حسن .

وأغرب من هذا كله ما عزاه الزركشي - وتبعه شيخنا - لأبي العباس القرطبي صاحب ( المفهم ) قال : استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي [ نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] نسبة قولية ، فيقول في ذلك : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا .

ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة ; لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ; ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا ، قال : وهؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية