صفحة جزء
الاختلاف عند أهل الكلام في الأصول قال أبو محمد ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن لاتسع لهم العذر عندنا وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه لأنفسهم كما اتسع لأهل الفقه ووقعت لهم الأسوة بهم ولكن اختلافهم في التوحيد وفي صفات الله تعالى وفي قدرته وفي نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وعذاب البرزخ وفي اللوح وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى .

ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم ، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين حتى يكون كل واحد منهما يختار ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله الآخر إلا من جهة التقليد .

والذي خالف بين مناظرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم - حتى فرق القائف بين الأثر والأثر وبين الأنثى [ ص: 64 ] والذكر - هو الذي خالف بين آرائهم ، والذي خالف بين الآراء هو الذي أراد الاختلاف لهم ، ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منهما بصاحبه .

فالنور يعرف بالظلمة ، والعلم يعرف بالجهل ، والخير يعرف بالشر ، والنفع يعرف بالضر ، والحلو يعرف بالمر ، لقول الله تبارك وتعالى : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون والأزواج : الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى ، واليابس والرطب ، وقال تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى .

ولو أردنا - رحمك الله - أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم ، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت ، وعن نظام إلى تفرق ، وعن أنس إلى وحشة ، وعن اتفاق إلى اختلاف ؛ لأن أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون .

وعلى أنه خالق الخير والشر وعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق وعلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة وعلى تقديم الشيخين وعلى الإيمان بعذاب القبر لا يختلفون في هذه الأصول ، ومن فارقهم في شيء منها نابذوه وباغضوه وبدعوه وهجروه .

وإنما اختلفوا في اللفظ بالقرآن لغموض وقع في ذلك ، وكلهم مجمعون على أن القرآن بكل حال - مقروءا ومكتوبا ومسموعا ومحفوظا - غير مخلوق فهذا الإجماع .

[ ص: 65 ] الاقتداء بالعلماء العاملين .

وأما الايتساء فبالعلماء المبرزين والفقهاء المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم ، مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الأمصار وكإبراهيم بن أدهم ومسلم الخواص والفضيل بن عياض وداود الطائي ومحمد بن النضر الحارثي [ ص: 66 ] وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زماننا .

فأما المتقدمون فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد . ثم بسواد الناس ودهمائهم وعوامهم في كل مصر وفي كل عصر ، فإن من أمارات الحق إطباق قلوبهم على الرضاء به ، ولو أن رجلا قام في مجامعهم وأسواقهم بمذاهب أصحاب الحديث التي ذكرنا إجماعهم عليها ما كان في جميعهم لذلك منكر ولا عنه نافر ، ولو قام بشيء مما يعتقده أصحاب الكلام مما يخالفه ما ارتد إليه طرفه إلا مع خروج نفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية