صفحة جزء
[ ص: 208 ] الثاني : قول الصحابي : أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا ، أو من السنة كذا ، أو أمر بلال أن يشفع الأذان ، وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور .

وقيل : ليس بمرفوع ، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده .


( الثاني : قول الصحابي : أمرنا بكذا ) ، كقول أم عطية : " أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق ، وذوات الخدور ، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين " ، أخرجه الشيخان .

( أو نهينا عن كذا ) كقولها أيضا : " نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا " ، أخرجاه أيضا .

( أو من السنة كذا ) كقول علي : من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة ، رواه أبو داود في رواية ابن داسة وابن الأعرابي .

( أو أمر بلال أن يشفع الأذان ) ، ويوتر الإقامة : أخرجاه ، عن أنس .

( وما أشبه كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور ) .

[ ص: 209 ] قال ابن الصلاح : لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي ، ومن يجب اتباع سنته ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال غيره : لأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة ، ولا العادة ، والشرع يتلقى من الكتاب ( ق 62 \ ب ) ، والسنة والإجماع والقياس ، ولا يصح أن يريد أمر الكتاب ; لكون ما في الكتاب مشهورا يعرفه الناس ، ولا الإجماع ; لأن المتكلم بهذا من أهل الإجماع ، ويستحيل أمره نفسه ، ولا القياس إذ لا أمر فيه ، فتعين كون المراد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .

( وقيل : ليس بمرفوع ) ; لاحتمال أن يكون الآمر غيره ، كأمر القرآن أو الإجماع أو بعض الخلفاء ، أو الاستنباط ، وأن يريد سنة غيره .

وأجيب ببعد ذلك مع أن الأصل الأول . وقد روى البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة ، قال ابن شهاب : فقلت لسالم : أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : وهل يعنون بذلك إلا سنته .

فنقل سالم ، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة ، أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما قول بعضهم : إن كان مرفوعا فلم لا يقولون فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 210 ] فجوابه : أنهم تركوا الجزم بذلك تورعا واحتياطا ، ومن هذا قول أبي قلابة ، عن أنس : من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا . أخرجاه .

قال أبو قلابة : لو شئت لقلت : إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي لو قلت لم أكذب ; لأن قوله : من السنة هذا معناه . لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى ، وخصص بعضهم الخلاف بغير الصديق ، أما هو فإن قال ذلك ، فمرفوع بلا خلاف .

قلت : ويؤيد الوقف في غيره ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، عن حنظلة السدوسي قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ( ق 63 \ أ ) : " كان يؤمر بالسوط فيقطع ثمرته ، ثم يدق بين حجرين ، ثم يضرب به ، فقلت لأنس : في زمان من كان هذا ؟ قال في زمان عمر بن الخطاب " .

فإن صرح الصحابي بالأمر كقوله : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا خلاف فيه ، إلا ما حكي عنداود [ ص: 211 ] وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه ، وهذا ضعيف ، بل باطل ; لأن الصحابي عدل عارف باللسان . فلا يطلق ذلك إلا بعد التحقيق .

قال البلقيني : وحكم قوله : من السنة ، قول ابن عباس في متعة الحج : سنة أبي القاسم ، وقول عمرو بن العاص في عدة أم الولد : لا تلبسوا علينا سنة نبينا ، رواه أبو داود ، وقول عمر في المسح : أصبت السنة ، صححه الدارقطني في سننه .

قال : وبعضها أقرب من بعض ، وأقربها للرفع سنة أبي القاسم ، ويليها سنة نبينا ، ويلي ذلك أصبت السنة .

( ولا فرق بين قوله ) ، أي الصحابي ما تقدم ( في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعده ) ، أما إذا قال ذلك التابعي ، فجزم ابن الصباغ في العدة أنه مرسل ، وحكى فيه ، [ ص: 212 ] إذا قاله ابن المسيب وجهين : هل يكون حجة أو لا ، وللغزالي فيه احتمالان بلا ترجيح : هل يكون موقوفا ، أو مرفوعا مرسلا .

وكذا قوله من السنة : فيه وجهان حكاهما المصنف في شرح مسلم وغيره ، وصحح وقفه ، وحكى الداودي الرفع عن القديم .

تكملة

من المرفوع أيضا ما جاء عن الصحابي ، ومثله لا يقال من قبل الرأي ، ولا مجال للاجتهاد فيه فيحمل على السماع ، جزم به الرازي في " المحصول " ، وغير واحد من أئمة الحديث .

وترجم على ذلك الحاكم في كتابه " معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها " ، ومثله بقول ابن مسعود : من أتى ساحرا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد أدخل ابن عبد البر في كتابه " التقصي " عدة ( 63 \ ب ) أحاديث من ذلك ، مع أن موضوع الكتاب للمرفوعة ، منها حديث سهل بن أبي خيثمة في صلاة الخوف ، وقال في " التمهيد " : هذا الحديث موقوف على سهل ، ومثله لا يقال من قبل الرأي .

نقل ذلك العراقي ، وأشار إلى تخصيصه بصحابي لم يأخذ عن أهل الكتاب .

[ ص: 213 ] وصرح بذلك شيخ الإسلام في " شرح النخبة " جازما به ، ومثله بالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق ، وأخبار الأنبياء ، والآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة ، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص .

قال : ومن ذلك فعله ما لا مجال للاجتهاد فيه ، فينزل على أن ذلك عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الشافعي في صلاة علي في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين .

قال : ومن ذلك حكمه على فعل من الأفعال ، بأنه طاعة لله أو لرسوله أو معصية كقوله : من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم .

وجزم بذلك أيضا الزركشي في مختصره نقلا ، عن ابن عبد البر .

وأما البلقيني ، فقال : الأقرب أن هذا ليس بمرفوع ؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد ، وسبقه إلى ذلك أبو القاسم الجوهري ، نقله عنه ابن عبد البر ورده عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية