صفحة جزء
[ ص: 60 ] الحديث : صحيح ، وحسن ، وضعيف .

الأول : الصحيح ، وفيه مسائل : الأولى : في حده ، وهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة .


( الحديث ) فيما قال الخطابي في معالم السنن ، وتبعه ابن الصلاح : ينقسم عند أهله على ثلاثة أقسام : ( صحيح ، وحسن ، وضعيف ) لأنه إما مقبول أو مردود ، والمقبول إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا ، والأول : الصحيح ، والثاني : الحسن ، والمردود لا حاجة إلى تقسيمه ؛ لأنه لا ترجيح بين أفراده .

واعترض بأن مراتبه أيضا متفاوتة ، فمنه ما يصلح للاعتبار وما لا يصلح ، كما سيأتي ، فكان ينبغي الاهتمام بتمييز الأول من غيره .

وأجيب بأن الصالح للاعتبار داخل في قسم المقبول ؛ لأنه من قسم الحسن لغيره ، وإن نظر إليه باعتبار ذاته ، فهو أعلى مراتب الضعيف ، وقد تفاوتت مراتب الصحيح أيضا ولم تنوع أنواعا ، وإنما لم يذكر الموضوع لأنه ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحا ، بل بزعم واضعه ، وقيل : الحديث صحيح وضعيف فقط ، والحسن مدرج في أنواع الصحيح .

قال العراقي في نكته : ولم أر من سبق الخطابي إلى تقسيمه المذكور ، وإن كان [ ص: 61 ] في كلام المتقدمين ذكر الحسن ، وهو موجود في كلام الشافعي والبخاري وجماعة ، ولكن الخطابي نقل التقسيم عن أهل الحديث . وهو إمام ثقة ، فتبعه ابن الصلاح .

قال شيخ الإسلام ابن حجر : والظاهر أن قوله عند أهل الحديث من العام الذي أريد به الخصوص ، أي الأكثر ، أو الأعظم ، أو الذي استقر اتفاقهم عليه بعد الاختلاف المتقدم .

( تنبيه )

قال ابن كثير : هذا التقسيم إن كان بالنسبة لما في نفس الأمر فليس إلا صحيح وكذب ، أو إلى اصطلاح المحدثين ، فهو ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك وجوابه أن المراد الثاني ، والكل راجع إلى هذه الثلاثة .

( الأول الصحيح ) وهو فعيل - بمعنى فاعل - من الصحة ، وهي حقيقة في الأجسام ، واستعمالها هنا مجاز . أو استعارة تبعية .

( وفيه مسائل ، الأولى : في حده ، وهو ما اتصل سنده ) عدل عن قول ابن الصلاح : المسند الذي يتصل إسناده ؛ لأنه أخصر وأشمل للمرفوع والموقوف .

( بالعدول الضابطين ) جمع باعتبار سلسلة السند ، أي بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ، كما عبر به ابن الصلاح ، وهو أوضح من عبارة المصنف إذ توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين ، وليس مرادا .

قيل : كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة ؛ لأنه من جمع العدالة والضبط ، والتعاريف تصان عن الإسهاب .

[ ص: 62 ] ( من غير شذوذ ولا علة ) فخرج بالقيد الأول المنقطع والمعضل والمعلق والمدلس والمرسل على رأي من لا يقبله ، وبالثاني ما نقله مجهول عينا أو حالا ، أو معروف بالضعف ، وبالثالث ما نقله مغفل كثير الخطأ ، وبالرابع والخامس الشاذ والمعلل .

[ تنبيهات ]

الأول : حد الخطابي الصحيح بأنه : ما اتصل سنده وعدلت نقلته ، قال العراقي : فلم يشترط ضبط الراوي ولا السلامة من الشذوذ والعلة ، قال : ولا شك أن ضبطه لا بد منه ؛ لأن من كثر الخطأ في حديثه وفحش ، استحق الترك .

قلت : الذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته ، وأن بين قولنا : العدل وعدلوه فرقا ؛ لأن المغفل المستحق للترك لا يصح أن يقال في حقه : عدله أصحاب الحديث ، وإن كان عدلا في دينه ، فتأمل .

ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر في نكته معنى ذلك فقال : إن اشتراط العدالة يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء .

وقيل : إن اشتراط نفي الشذوذ يغني عن اشتراط الضبط ؛ لأن الشاذ إذا كان [ ص: 63 ] هو الفرد المخالف ، وكان شرط الصحيح أن ينتفي ، كان من كثرت منه المخالفة وهو غير الضابط أولى . وأجيب : بأنه في مقام التبيين ، فأراد التنصيص ولم يكتف بالإشارة .

قال العراقي : وأما السلامة من الشذوذ والعلة ، فقال ابن دقيق العيد في الاقتراح : إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حد الصحيح ، قال : وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء .

قال العراقي : والجواب أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر الحد عند أهله لا عند غيرهم من أهل علم آخر ، وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين لا يفسد الحد عند من يشترطهما ، ولذا قال ابن الصلاح بعد الحد : فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث ، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث ، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه ، أو لاختلافهم في اشتراط بعضها كما في المرسل .

الثاني : قيل : بقي عليه أن يقول : ولا إنكار .

ورد بأن المنكر عند المصنف وابن الصلاح هو والشاذ سيان ، فذكره معه تكرير ، وعند غيرهما أسوأ حالا من الشاذ ؛ فاشتراط نفي الشذوذ يقتضي اشتراط نفيه بطريق الأولى .

[ ص: 64 ] ( الثالث ) : قيل : لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا ، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال ؛ أحدها : مخالفة الثقة لأرجح منه . والثاني : تفرد الثقة مطلقا . والثالث : تفرد الراوي مطلقا . ورد الأخيرين ؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول .

قال شيخ الإسلام : وهو مشكل ؛ لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين ، فقد انتفت عنه العلل الظاهرة . ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته ؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف ، بل يكون من باب صحيح وأصح .

قال : ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة . وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة .

وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما ، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق ، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن ، وفي اشتراط ركوبه ، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها ، مع تخريج الأمرين ، ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك ، ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر ، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب ، وغيرهم عن الزهري ، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح ، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ، ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب [ ص: 65 ] الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم . وأمثلة ذلك كثيرة .

ثم قال : فإن قيل : يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به - قلت : لا مانع من ذلك ، ليس كل صحيح يعمل به ، بدليل المنسوخ - قال : وعلى تقدير التسليم ، إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ؛ ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر ، بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا ؛ لأن الأصل عدم الشذوذ ، وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه ، فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روى حتى يتبين خلافه .

( الرابع ) : عبارة ابن الصلاح : ولا يكون شاذا ولا معللا . فاعترض بأنه لا بد أن يقول بعلة قادحة ، وأجيب بأن ذلك يؤخذ من تعريف المعلول حيث ذكر في موضعه .

قال شيخ الإسلام : لكن من غير عبارة ابن الصلاح ، فقال من غير شذوذ ولا علة ، احتاج أن يصف العلة بكونها قادحة وبكونها خفية ، وقد ذكر العراقي في منظومته الوصف الأول وأهمل الثاني ولا بد منه ، وأهمل المصنف وبدر الدين بن جماعة الاثنين ، فبقي الاعتراض من وجهين .

قال شيخ الإسلام : ولم يصب من قال : لا حاجة إلى ذلك ؛ لأن لفظ العلة لا يطلق إلا على ما كان قادحا . فلفظ العلة أعم من ذلك .

( الخامس ) : أورد على هذا التعريف ما سيأتي : إن الحسن إذا روي من غير وجه [ ص: 66 ] ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصحة ، وهو غير داخل في هذا الحد ، وكذا ما اعتضد بتلقي العلماء له بالقبول . قال بعضهم : يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح .

قال ابن عبد البر في الاستذكار : لما حكي عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر : " هو الطهور ماؤه " ، وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده ، لكن الحديث عندي صحيح ؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول . وقال في التمهيد : روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " الدينار أربعة وعشرون قيراطا " ، قال : وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه .

وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم .

وقال نحوه ابن فورك ، وزاد بأن مثل ذلك بحديث : " في الرقة ربع العشر وفي مائتي درهم خمسة دراهم " .

وقال أبو الحسن بن الحصار في تقريب المدارك ، على موطأ مالك : قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة ، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به ، وأجيب عن ذلك بأن المراد بالحد الصحيح [ ص: 67 ] لذاته لا لغيره ، وما أورد من قبيل الثاني .

( السادس ) : أورد أيضا : المتواتر فإنه صحيح قطعا ، ولا يشترط فيه مجموع هذه الشروط . قال شيخ الإسلام : ولكن يمكن أن يقال : هل يوجد حديث متواتر لم يجتمع فيه هذه الشروط ؟

( السابع ) : قال ابن حجر : قد اعتنى ابن الصلاح والمصنف بجعل الحسن قسمين : أحدهما لذاته والآخر باعتضاده ، فكان ينبغي أن يعتني بالصحيح أيضا ، وينبه على أن له قسمين كذلك ، وإلا فإن اقتصر على تعريف الصحيح لذاته في بابه ، وذكر الصحيح لغيره في نوع الحسن لأنه أصله ، فكان ينبغي أن يقتصر على تعريف الحسن لذاته في بابه ، ويذكر الحسن لغيره في نوع الضعيف لأنه أصله .

فائدتان

الأولى : قال ابن حجر : كلام ابن الصلاح في شرح مسلم له يدل على أنه أخذ الحد المذكور هنا من كلام مسلم ، فإنه قال : شرط مسلم في صحيحه أن يكون متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه غير شاذ ولا معلل ، وهذا هو حد الصحيح في نفس الأمر .

قال شيخ الإسلام : ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم ، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك ، وإلا فالنظر السابق في السلامة من الشذوذ باق .

قال : ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح ، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى [ ص: 68 ] واحد . وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم ، فيكون الشاذ كذلك ، فيشترط انتفاؤه .

( الثانية ) : بقي للصحيح شروط مختلف فيها : منها ما ذكره الحاكم من علوم الحديث : أن يكون راويه مشهورا بالطلب ، وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة ، بل قدر زائد على ذلك .

قال عبد الله بن عون : لا يؤخذ العلم إلا على من شهد له بالطلب ، وعن مالك نحوه ، وفي مقدمة مسلم عن أبي الزناد : أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أهله .

قال شيخ الإسلام : والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك ، إلا إذا كثرت مخارج الحديث فيستغنيان عن اعتبار ذلك ، كما يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام .

قال شيخ الإسلام : ويمكن أن يقال : اشتراط الضبط يغني عن ذلك ، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى . ومنها ما ذكره السمعاني في القواطع : أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط ، وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة .

[ ص: 69 ] قال شيخ الإسلام : وهذا يؤخذ من اشتراط انتفاء كونه معلولا ؛ لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما .

ومنها : أن بعضهم اشترط علمه بمعاني الحديث ، حيث يروي بالمعنى ، وهو شرط لا بد منه ، لكنه داخل في الضبط ، كما سيأتي في معرفة من تقبل روايته .

ومنها : أن أبا حنيفة اشترط فقه الراوي .

قال شيخ الإسلام : والظاهر أن ذلك إنما يشترط عند المخالفة أو عند التفرد بما تعم به البلوى .

ومنها : اشتراط البخاري ثبوت السماع لكل راو من شيخه ، ولم يكتف بإمكان اللقاء والمعاصرة كما سيأتي . وقيل : إن ذلك لم يذهب أحد إلى أنه شرط الصحيح بل الأصحية .

ومنها : أن بعضهم اشترط العدد في الرواية كالشهادة .

قال العراقي : حكاه الحازمي في شروط الأئمة عن بعض متأخري المعتزلة ، وحكي أيضا عن بعض أصحاب الحديث .

قال شيخ الإسلام : وقد فهم بعضهم ذلك من خلال كلام الحاكم في علوم الحديث ، وفي المدخل كما سيأتي في شرط البخاري ومسلم ، وبذلك جزم ابن الأثير [ ص: 70 ] في مقدمة جامع الأصول وغيره ، وأعجب من ذلك ما ذكره الميانجي في كتاب " ما لا يسع المحدث جهله " : شرط الشيخين في صحيحهما أن لا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما ، وذلك ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان فصاعدا ، وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر ، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة . انتهى .

قال شيخ الإسلام : وهو كلام من لم يمارس الصحيحين أدنى ممارسة ، فلو قال قائل : ليس في الكتابين حديث واحد بهذه الصفة لما أبعد .

وقال ابن العربي في شرح الموطأ : كان مذهب الشيخين أن الحديث لا يثبت حتى يرويه اثنان . قال : وهو مذهب باطل ، بل رواية الواحد عن الواحد صحيحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال في شرح البخاري عن حديث : " الأعمال " : انفرد به عمر ، وقد جاء من طريق أبي سعيد ، رواه البزار بإسناد ضعيف .

قال : وحديث عمر وإن كان طريقه واحدا ، وإنما بنى البخاري كتابه على حديث يرويه أكثر من واحد فهذا الحديث ليس من ذلك الفن ؛ لأن عمر قاله على المنبر بمحضر [ ص: 71 ] الأعيان من الصحابة ، فصار كالمجمع عليه ، فكأن عمر ذكرهم لا أخبرهم .

قال ابن رشيد : وقد ذكر ابن حبان في أول صحيحه - أن ما ادعاه ابن العربي وغيره - من أن شرط الشيخين ذلك مستحيل الوجود ، قال : والعجب منه كيف يدعي عليهما ذلك ثم يزعم أنه مذهب باطل ، فليت شعري من أعلمه بأنهما اشترطا ذلك ؟ إن كان منقولا فليبين طريقه لننظر فيها ، وإن كان عرفه بالاستقراء فقد وهم في ذلك ، ولقد كان يكفيه في ذلك أول حديث في البخاري ، وما اعتذر به عنه فيه تقصير ؛ لأن عمر لم ينفرد به وحده ، بل انفرد به علقمة عنه ، وانفرد به محمد بن إبراهيم عن علقمة ، وانفرد به يحيى بن سعيد عن محمد ، وعن يحيى تعددت رواته .

وأيضا فكون عمر قاله على المنبر لا يستلزم أن يكون ذكر السامعين بما هو عندهم ، بل هو محتمل للأمرين ، وإنما لم ينكروه لأنه عندهم ثقة ، فلو حدثهم بما لم يسمعوه قط لم ينكروا عليه . اهـ .

وقد قال باشتراط رجلين عن رجلين في شرط القبول إبراهيم بن إسماعيل ابن علية ، وهو من الفقهاء المحدثين ، إلا أنه مهجور القول عند الأئمة ، لميله إلى الاعتزال ، وقد كان الشافعي يرد عليه ويحذر منه .

وقال أبو علي الجبائي من المعتزلة : لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد ، إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر ، أو عضده موافقة ظاهر الكتاب ، أو ظاهر خبر آخر ، أو [ ص: 72 ] يكون منتشرا بين الصحابة ، أو عمل به بعضهم ، حكاه أبو الحسن البصري في المعتمد ، وأطلق الأستاذ أبو منصور التميمي عن أبي علي أنه لا يقبل إلا إذا رواه أربعة .

وللمعتزلة في رد خبر الواحد حجج : منها قصة ذي اليدين ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم توقف في خبره حتى تابعه عليه غيره ، وقصة أبي بكر حين توقف في خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بن مسلمة ، وقصة عمر [ ص: 73 ] حين توقف عن خبر أبي موسى في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد .

وأجيب عن ذلك كله : فأما قصة ذي اليدين ، فإنما حصل التوقف في خبره ؛ لأنه أخبره عن فعله صلى الله عليه وسلم ، وأمر الصلاة لا يرجع المصلي فيه إلى خبر غيره ، بل ولو بلغوا حد التواتر ، فلعله إنما تذكر عند إخبار غيره . وقد بعث صلى الله عليه وسلم رسله واحدا واحدا إلى الملوك ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسله إلى قبائلهم ، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه مع عدم اشتراط التعدد .

وأما قصة أبي بكر فإنما توقف إرادة للزيادة في التوثق ، وقد قبل خبر عائشة وحدها في قدر كفن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما قصة عمر فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه ، فأراد التثبت في ذلك ، وقد قبل خبر ابن عوف وحده في أخذ الجزية من المجوس ، وفي الرجوع عن البلد الذي فيها الطاعون ، وخبر الضحاك بن [ ص: 74 ] سفيان في توريث امرأة أشيم .

قلت : وقد استدل البيهقي في المدخل على ثبوت الخبر بالواحد بحديث : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها فأداها " ، وفي لفظ : " سمع منا حديثا فبلغه غيره " ، وبحديث الصحيحين : " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله عليه الليلة قرآنا ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " ، قال الشافعي : فقد تركوا قبلة كانوا عليها بخبر واحد ولم ينكر ذلك عليهم صلى الله عليه وسلم .

وبحديث الصحيحين عن أنس : إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا ، إذ دخل رجل فقال : هل بلغكم الخبر ؟ قلنا وما ذاك ، قال : حرمت الخمر ، قال : أهرق هذه القلال يا أنس ، قال : فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل .

وبحديث إرساله عليا إلى الموقف بأول سورة براءة ، وبحديث يزيد بن شيبان : " كنا بعرفة فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال : إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم هذه " .

[ ص: 75 ] وبحديث الصحيحين عن سلمة بن الأكوع : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء رجلا من أسلم ينادي في الناس : إن اليوم يوم عاشوراء ، فمن كان أكل فلا يأكل شيئا " الحديث ، وغير ذلك .

وقد ادعى ابن حبان نقيض هذه الدعوى فقال : إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا ، وسيأتي تقرير ذلك في الكلام على العزيز ، ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي : أن بعضهم اشترط في قبول الخبر : أن يرويه ثلاثة إلى منتهاه ، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة ، وبعضهم خمسة عن خمسة ، وبعضهم سبعة عن سبعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية