صفحة جزء
[ ص: 141 ] وإذا قالوا : صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعي حاصل فيه .

وخالفه المحققون والأكثرون . فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر .


( وإذا قالوا : صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ) لا اتفاق الأمة ، قال ابن الصلاح : لكن يلزم من اتفاقهما اتفاق الأمة عليه لتلقيهم له بالقبول .

( وذكر الشيخ ) يعني ابن الصلاح ( أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعي حاصل فيه ) ، قال : خلافا لمن نفى ذلك ، محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن . والظن قد يخطئ .

قال : وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا . ثم بان لي أن الذي اخترناه أولا هو الصحيح ؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعا بها .

[ ص: 142 ] وقد قال إمام الحرمين : لو حلف إنسان بطلاق امرأته : أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ، لإجماع علماء المسلمين على صحته .

قال : وإن قال قائل ، إنه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتها ، للشك في الحنث ، فإنه لو حلف بذلك في حديث ليس هذه صفته لم يحنث ، وإن كان رواته فساقا .

فالجواب أن المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا ، وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرا مع احتمال وجوده باطنا حتى تستحب الرجعة .

قال المصنف : ( وخالفه المحققون والأكثرون ، فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر ) .

قال في شرح مسلم : لأن ذلك شأن للآحاد ، ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما ، وتلقي الأمة بالقبول ، إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما ، من غير توقف على النظر فيه ، بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط الصحيح ، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم .

قال : وقد اشتد إنكار ابن برهان على من قال بما قاله الشيخ ، وبالغ في تغليطه . انتهى .

وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول . وقال : إن بعض المعتزلة [ ص: 143 ] يرون : أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته ، قال وهو مذهب رديء ، وقال البلقيني : ما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع ، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية ، كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفراييني ، والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وعن السرخسي من الحنفية ، والقاضي عبد الوهاب من المالكية ، وأبي يعلى ، وأبي الخطاب ، وابن الزاغوني من الحنابلة ، وابن فورك ، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية ، وأهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة أنهم يقطعون بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول ، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صفة التصوف ، فألحق به ما كان على شرطهما ، وإن لم يخرجاه .

وقال شيخ الإسلام : ما ذكره النووي في شرح مسلم من جهة الأكثرين ، أما المحققون فلا ، فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون .

وقال في شرح النخبة : الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك ، قال : وهو أنواع : منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر ، فإنه احتف به قرائن .

[ ص: 144 ] منها : جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما ، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول ، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر ، إلا أن هذا مختص بما لا ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين ، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر ، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته .

قال : وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحة معناه ممنوع ؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح ، ولو لم يخرجاه ، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية ، والإجماع حاصل على أن لهما مزية ، فيما يرجع إلى نفس الصحة .

قال : ويحتمل أن يقال : المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح ، قال : ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل ، وممن صرح بإفادته العلم النظري ، الأستاذ أبو منصور البغدادي .

قال : ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريبا ، كحديث يرويه أحمد مثلا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ، ويشاركه فيه غيره عن مالك ، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته .

[ ص: 145 ] قال : وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل ، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور . انتهى .

وقال ابن كثير : وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه ، قلت : وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه .

نعم يبقى الكلام في التوفيق بينه وبين ما ذكره أولا من أن المراد بقولهم : هذا حديث صحيح ، أنه وجدت فيه شروط الصحة ، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر ، فإنه مخالف لما هنا ، فلينظر في الجمع بينهما ، فإنه عسر ولم أر من تنبه له .

تنبيه

استثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فيهما ، ما تكلم فيه من أحاديثهما فقال : سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره .

قال شيخ الإسلام : وعدة ذلك مائتان وعشرون حديثا ، اشتركا في اثنين وثلاثين ، واختص البخاري بثمانين إلا اثنين ، ومسلم بمائة وعشرة .

[ ص: 146 ] فقال المصنف في شرح البخاري : ما ضعف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة .

وقال شيخ الإسلام : فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف ، وكلامه في شرح مسلم يقتضي تقرير قول من ضعف ، فكان هذا بالنسبة إلى مقامهما وأنه يدفع عن البخاري . ويقرر على مسلم .

قال العراقي : وقد أفردت كتابا لما تكلم في الصحيحين أو أحدهما مع الجواب عنه ، قال شيخ الإسلام : ولم يبيض هذا الكتاب وعدمت مسودته ، وقد سرد شيخ الإسلام ما في البخاري من الأحاديث المتكلم فيها في مقدمة شرحه وأجاب عنها حديثا حديثا .

ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته ، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه ، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح ، بعضها أبهم راويه ، وبعضها فيه إرسال وانقطاع ، وبعضها فيه وجادة وهي في حكم الانقطاع ، وبعضها بالمكاتبة .

[ ص: 147 ] وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه والجواب عنها حديثا حديثا ، وقد وقفت عليه ، وسيأتي نقل ما فيه ملخصا مفرقا في المواضع اللائقة به إن شاء الله تعالى ، ونعجل هنا بجواب شامل لا يختص بحديث دون حديث .

قال شيخ الإسلام في مقدمة شرح البخاري : الجواب من حيث الإجمال عما انتقد عليهما ، أنه لا ريب في تقدم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والعلل ، فإنهم لا يختلفون أن ابن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث ، وعنه أخذ البخاري ذلك ، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول : ما رأى مثل نفسه ، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري ، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا .

وقال مسلم : عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي فما أشار أن له علة تركته ، فإذا عرف ذلك ، وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له ، أو له علة غير مؤثرة عندهما ، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما ، يكون قوله معارضا لتصحيحهما ، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما ، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة .

وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما ستة أقسام : الأول : ما يختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد ، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة ، وعلله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود ؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر ؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه [ ص: 148 ] ثم لقيه فسمعه منه ، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع ، والمنقطع ضعيف والضعيف لا يعل الصحيح ، ومن أمثلة ذلك : ما أخرجاه من طريق الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس في قصة القبرين .

قال الدارقطني في انتقاده : قد خالف منصور ، فقال : عن مجاهد عن ابن عباس ، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس ، قال : وحديث الأعمش أصح .

قال شيخ الإسلام : وهذا في التحقيق ليس بعلة ، فإن مجاهدا لم يوصف بالتدليس ، وقد صح سماعه من ابن عباس ، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش ، والأعمش أيضا من الحفاظ ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة ، والإسناد كيفما دار كان متصلا ، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا ، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة ، وعلله الناقد بالمزيدة ، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف ، فينظر : إن كان الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا ، أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى ، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك ، وإن لم يوجد وكان الانقطاع ظاهرا ، فمحصل الجواب أنه إنما أخرج [ ص: 149 ] مثل ذلك حيث له سائغ وعاضد ، وحفته قرينة في الجملة تقويه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع . مثاله : ما رواه البخاري من حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : " إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " الحديث .

قال الدارقطني : هذا منقطع ، وقد وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة ، ووصله مالك في الموطأ عن أبي الأسود عن عروة كذلك .

قال شيخ الإسلام : حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان ، وقد وقع في رواية الأصيلي عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصلا ، وعليها اعتمد المزي في الأطراف ، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب .

قال أبو علي الجياني : وهو الصحيح . وكذا أخرجه الإسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان ، ومحاضر ، وحسان بن إبراهيم ، كلهم عن هشام وهو المحفوظ [ ص: 150 ] من حديثه ، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب ، ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها ، حاكيا للخلاف فيه على عروة كعادته ، مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بالمبعد .

قال : وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعي فيها الانقطاع ، لكونها مروية بالمكاتبة والإجازة ، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ ذلك ، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحته عنده .

القسم الثاني : ما يختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد ، والجواب عنه : أنه إن أمكن الجمع ، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما ، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد ، أو متفاوتين ، فيخرج الطريقة الراجحة ويعرض عن المرجوحة ، أو يشير إليها ، فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الاختلاف غير قادح ، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف .

الثالث : ما تفرد فيه بعض الرواة بزيادة لم يذكرها أكثر منه ، أو أضبط ، وهذا لا يؤثر التعليل به ، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، وإلا فهي كالحديث المستقل ، إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض رواته فهو مؤثر ، وسيأتي مثاله في المدرج .

الرابع : ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف ، وليس في الصحيح من هذا القبيل [ ص: 151 ] غير حديثين تبين أن كلا منهما قد توبعا .

أحدهما : حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه : " أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا " الحديث بطوله . قال الدارقطني : إسماعيل ضعيف .

قال شيخ الإسلام : ولم ينفرد به ، بل تابعه معن بن عيسى عن مالك ، [ ص: 152 ] ثم إن إسماعيل ضعفه النسائي وغيره ، وقال أحمد وابن معين في رواية : لا بأس به ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، كان مغفلا . وقد صح أنه أخرج للبخاري أصوله ، وأذن له أن ينتقي منها ، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه ؛ لأنه كتب من أصوله ، وأخرج له مسلم أقل مما أخرج له البخاري .

[ ص: 153 ] ثانيهما : حديث أبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه ، عن جده ، قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس يقال له اللحيف . قال الدارقطني ؛ أبي ضعيف .

قال شيخ الإسلام : تابعه عليه أخوه عبد المهيمن .

القسم الخامس : ما حكم فيه على بعض الرواة بالوهم ، فمنه ما لا يؤثر قدحا ، ومنه ما يؤثر .

السادس : ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن ، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح ، لإمكان الجمع أو الترجيح ، انتهى .

[ ص: 154 ] [ فائدة تتعلق بالمتفق عليه ]

قال الحاكم : الحديث الصحيح ينقسم عشرة أقسام : خمسة متفق عليها ، وخمسة مختلف فيها : فالأول من المتفق عليها : اختيار البخاري ومسلم ، وهو الدرجة الأولى من الصحيح ، وهو الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور إلى آخر كلامه السابق ، وقد تقدم ما فيه .

الثاني : مثل الأول ، إلا أنه ليس لراويه الصحابي إلا راو واحد ، مثاله حديث عروة بن مضرس ، لا راوي له غير الشعبي ، وذكر أمثلة أخرى ، ولم يخرجا هذا النوع في الصحيح .

قال شيخ الإسلام : بل فيهما جملة من الأحاديث عن جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد ، وقد تعرض المصنف لذلك في نوع الوحدان ، وسيأتي فيه مزيد كلام .

الثالث : مثل الأول إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد ، مثل محمد بن جبير ، وعبد الرحمن بن فروخ ، وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء ، وكلها صحيحة .

قال شيخ الإسلام في نكته : بل فيهما القليل من ذلك ، كعبد الله بن وديعة ، وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم ، وربيعة بن عطاء .

الرابع : الأحاديث الأفراد الغرائب التي ينفرد بها ثقة من الثقات ، كحديث العلاء [ ص: 155 ] عن أبيه عن أبي هريرة ، في النهي عن الصوم إذا انتصف شعبان ، تركه مسلم لتفرد العلاء به ، وقد أخرج بهذه النسخة أحاديث كثيرة .

قال شيخ الإسلام : بل فيهما كثير منه ، لعله يزيد على مائتي حديث ، وقد أفردها الحافظ ضياء الدين المقدسي ، وهي المعروفة بغرائب الصحيح .

الخامس : أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ، لم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم إلا عنهم ، كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، [ وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ] ، وإياس بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده ، أجدادهم صحابة ، وأحفادهم ثقات ، فهذه أيضا محتج بها ، مخرجة في كتب الأئمة دون الصحيحين .

قال شيخ الإسلام : ليس المانع من إخراج هذا القسم في الصحيحين كون الرواية وقعت عن الأب عن الجد ، بل لكون الراوي أو أبيه ليس على شرطهما ، وإلا ففيهما أو في أحدهما ، من ذلك : رواية علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده ، ورواية محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده ، ورواية أبي بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده ، ورواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده ، ورواية الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما عن جدهما ، ورواية حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده ، وغير ذلك .

قال : وأما الأقسام المختلف فيها فهي : المرسل ، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا [ ص: 156 ] سماعهم ، وما أسنده ثقة وأرسله ثقات ، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا حاذقين .

قال شيخ الإسلام : أما الأول والثاني فكما قال ، وأما الثالث فقد اعترض عليه العلائي ، بأن في الصحيحين عدة أحاديث اختلف في وصلها وإرسالها .

قال شيخ الإسلام : ولا يرد عليه ؛ لأن كلامه فيما هو أعم من الصحيحين ، وأما الرابع فقال العلائي : هو متفق على قبوله والاحتجاج به إذا وجدت فيه شرائط القبول ، وليس من المختلف فيه ألبتة ، ولا يبلغ الحفاظ العارفون نصف رواة الصحيحين ، وليس كونه حافظا شرطا وإلا لما احتج بغالب الرواة .

قال شيخ الإسلام : الحاكم إنما فرض الخلاف فيه بين أكثر أهل الحديث وبين أبي حنيفة ومالك . قال : وأما الخامس فكما ذكر من الاختلاف فيه ، لكن في الصحيحين أحاديث عن جماعة من المبتدعة عرف صدقهم واشتهرت معرفتهم بالحديث فلم يطرحوا للبدعة ، قال : وقد بقي عليه من الأقسام المختلف فيها ، رواية مجهول العدالة ، وكذا قال المصنف في شرح مسلم .

وقال أبو علي الحسين بن محمد الجياني فيما حكاه المصنف : الناقلون سبع طبقات : ثلاث مقبولة وثلاث مردودة ، والسابعة مختلف فيها ، فالأولى من المقبولة : أئمة الحديث وحفاظهم ، يقبل تفردهم وهم الحجة على من خالفهم . والثانية : دونهم في الحفظ [ ص: 157 ] والضبط لحقهم بعض وهم ، والثالثة : قوم ثبت صدقهم ومعرفتهم لكن جنحوا إلى مذاهب الأهواء من غير أن يكونوا غلاة ولا دعاة .

فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم ، وعليهم يدور نقل الحديث ، والأولى من المردودة من وسم بالكذب ووضع الحديث ، والثانية من غلب عليه الوهم والغلط ، والثالثة قوم غلوا في البدعة ودعوا إليها ، فحرفوا الروايات ليحتجوا بها .

وأما السابع المختلف فيه : فقوم مجهولون انفردوا بروايات ، فقبلهم قوم وردهم آخرون ، قال العلائي : وهذه الأقسام التي ذكرها ظاهرة ، لكنها في الرواة . انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية