نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
( وإن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه ، وعليه شاة ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسده وعليه القضاء ) والأصل فيه ما روي { أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سئل عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج ؟ قال : يريقان دما ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل . } [ ص: 238 ] وهكذا نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقال الشافعي رحمه الله : تجب بدنة اعتبارا بما لو جامع بعد الوقوف ، والحجة عليه إطلاق ما روينا ، ولأن القضاء لما وجب ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة خف معنى الجناية فيكتفى بالشاة بخلاف ما بعد الوقوف ; لأنه لا قضاء ثم سوى بين السبيلين .

وعن أبي حنيفة رحمه الله أن في غير القبل منهما لا يفسد لتقاصر معنى الوطء فكان عنه روايتان ( وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه عندنا ) خلافا لمالك رحمه الله إذا خرجا من بيتهما ولزفر رحمه الله إذا أحرما ، وللشافعي إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها فيه . لهم أنهما يتذاكران ذلك فيقعان في المواقعة فيفترقان . ولنا أن الجامع بينهما وهو النكاح قائم فلا معنى للافتراق قبل الإحرام لإباحة الوقاع ولا بعده ; لأنهما يتذاكران ما لحقهما من المشقة الشديدة بسبب لذة يسيرة [ ص: 239 ] فيزدادان ندما وتحرزا فلا معنى للافتراق .


[ ص: 237 ] فصل الحديث الثالث : روي { أنه عليه السلام سئل عمن واقع امرأته ، وهما محرمان بالحج ، قال : يريقان دما ، ويمضيان في حجهما ، وعليهما الحج من قابل } ، قلت : رواه أبو داود في " المراسيل " حدثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير أنبأ يزيد بن نعيم ، أو زيد بن نعيم شك أبو توبة { أن رجلا من جذام جامع امرأته ، وهما محرمان ، فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقضيا نسككما واهديا هديا }انتهى .

ورواه البيهقي ، وقال : إنه منقطع ، وهو يزيد بن نعيم بلا شك انتهى . وقال ابن القطان في " كتابه " : هذا حديث لا يصح ، فإن زيد بن نعيم مجهول ، ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة ، وقد شك أبو توبة ، ولا يعلم عمن هو منهما ، ولا عمن حدثهم به معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير ، فهو لا يصح ; قال ابن القطان : وروى ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب { أن رجلا من جذام جامع امرأته ، وهما محرمان ، فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما : أتما حجكما ، ثم ارجعا [ ص: 238 ] وعليكما حجة أخرى ، فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما ، فأحرما وتفرقا ، ولا يرى واحد منكما صاحبه ، ثم أتما نسككما وأهديا }انتهى .

قال ابن القطان : وفي هذا : أنه أمرهما بالتفرق في العودة لا في الرجوع ، وحديث المراسيل على العكس منه ، قال : وهذا أيضا ضعيف بابن لهيعة انتهى كلامه .

وروى أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل ثنا أيوب عن غيلان بن جرير أنه سمع عليا الأزدي ، قال : سئل ابن عمر عن رجل وامرأة من عمان ، أقبلا حاجين ، فقضيا المناسك حتى لم يبق عليهما إلا الإفاضة ، وقع عليها ، فسأل ابن عمر . فقال : ليحجا عاما قابلا ، انتهى .

وروي أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي ثنا هشام عن قتادة ، قال : سألت الحسن عن رجل غشي امرأته بعدما رمى الجمرة ، وحلق ، فقرأ هذه الآية { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } ، قال : عليه الحج من قابل انتهى .

قوله : وهكذا روي عن جماعة من الصحابة يعني الحكم المذكور قبله فمن جامع قبل الوقوف ; قلت : روى مالك في " الموطأ " أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبا هريرة رضي الله عنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج ، فقالوا : ينفذان توجههما حتى يقضيا حجهما ، ثم عليهما الحج من قابل ، والهدي ، [ ص: 239 ] فقال علي بن أبي طالب : فإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما انتهى . رواه البيهقي من طريق ابن بكير عن مالك ، وهو بلاغ ، وأخرجه البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن عمر بن الخطاب أنه قال في محرم بحجة أصاب امرأته . وهو محرم : يقضيان حجهما ، وعليهما الحج من قابل من حيث كانا أحرما ، ويتفرقان حتى يتما حجهما ، قال : وهذا منقطع بين عطاء ، وعمر ، ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر ، قال : سألت مجاهدا عن المحرم يواقع امرأته ، فقال : كان ذلك على عهد عمر بن الخطاب . فقال : يقضيان حجهما ، ثم يرجعان حلالا ، فإذا كان من قابل حجا وأهديا ، وتفرقا من المكان الذي أصابهما انتهى .

أثر آخر : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه . قال : أتى رجل عبد الله بن عمرو فسأله عن محرم وقع بامرأته ، فأشار له إلى عبد الله بن عمر ، فلم يعرفه الرجل . قال : فذهبت معه ، فسأله عن محرم وقع بامرأته . قال : بطل حجه ، قال : فيقعد ؟ ، قال : لا ، بل يخرج مع الناس ، فيصنع ما يصنعون ، فإذا أدركه قابل حج ، وأهدى ، فرجعا إلى عبد الله بن عمرو ، فأخبراه ، فأرسلنا إلى ابن عباس ، قال شعيب : فذهبت معه إلى ابن عباس ، فقال له مثل ما قالا ، انتهى .

وعن الدارقطني رواه الحاكم ، وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " وقال : إسناده صحيح ، وفيه دلالة على صحة سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ومن ابن عباس انتهى .

وقال الشيخ في " الإمام " : رجاله كلهم ثقات مشهورون ، انتهى .

أثر آخر : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا حفص عن أشعث عن الحكم عن علي ، قال : على كل واحد منهما بدنة ، فإذا حجا من قابل تفرقا من المكان الذي أصابهما انتهى .

حدثنا أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن وهبان عن ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : إني وقعت على امرأتي وأنا محرم ، [ ص: 240 ] فقال : الله أعلم بحجكما ، امضيا لوجهكما ، وعليكما الحج من قابل ، فإذا انتهيت إلى المكان الذي واقعت فيه فتفرقا ، ثم لا تجتمعا حتى تقضيا حجكما انتهى .

حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني سعيد بن الحويرث أن رجلا استفتى جابر بن زيد ، والحسن بن محمد عن رجل وامرأته أهلا بالحج ، ثم وقع عليها ، فقالا : يتمان حجهما ، وعليهما الحج من قابل ، وإن كان ذا ميسرة أهدى جزورا انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية