نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
( وإن كان الطلاق ثلاثا في الحرة ، أو ثنتين في الأمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويدخل بها ، ثم يطلقها أو يموت عنها ) والأصل فيه قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }فالمراد الطلقة الثالثة والثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة ; لأن الرق منصف لحل المحلية على ما عرف ، ثم الغاية نكاح الزوج مطلقا والزوجية المطلقة إنما تثبت بنكاح صحيح ، وشرط الدخول ثبت بإشارة النص ، وهو أن يحمل النكاح على الوطء حملا للكلام على الإفادة دون الإعادة إذ العقد استفيد بإطلاق اسم الزوج أو يزاد على النص بالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام : { لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر }روي بروايات . [ ص: 484 - 485 ] ولا خلاف لأحد فيه سوى سعيد بن المسيب رضي الله عنه ، وقوله غير معتبر حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ ، والشرط : الإيلاج دون الإنزال ; لأنه كمال ومبالغة فيه والكمال قيد زائد .


فصل فيما تحل به المطلقة

الحديث الثاني : قال عليه السلام : { لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر }; قلت : رواه الأئمة الستة في " كتبهم " من حديث عائشة ، قالت : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجت زوجا غيره ، فدخل بها ، ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول ؟ قال : لا ، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول }انتهى .

وروى الجماعة إلا أبا داود عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : { جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : كنت عند رفاعة ، فطلقني ، فأبت طلاقي ، فتزوجت [ ص: 484 ] بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثوب ، فتبسم عليه السلام ، وقال : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ، حتى تذوقي عسيلته ، ويذوق عسيلتك }انتهى .

وفي لفظ في " الصحيحين " { أنها كانت تحت رفاعة ، فطلقها آخر ثلاث تطليقات } ، الحديث . ذكره البخاري في " الشهادات والطلاق " ، وذكره في " اللباس " ، وزاد فيه من قوله : عائشة ، { فصار ذلك سنة بعده } ، ومسلم ، وأبو داود في " الطلاق " ، والباقون في " النكاح " ، وفي لفظ للبخاري ، { كذبت ، والله يا رسول الله ، إني لأنفضها نفض الأديم ، ولكنها ناشز ، تريد أن ترجع إلى رفاعة ، فقال عليه السلام : فإن كان ذلك لم تحلين له حتى يذوق من عسيلتك ، قال : وكان مع رفاعة ابنان له من غيرها ، فقال له عليه السلام : بنوك هؤلاء ؟ قال : نعم ، فقال لها : هذا ، وأنت تزعمين ما تزعمين ؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب }انتهى .

وهو كذلك في " الموطأ " أخبرنا مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير { أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكحها عبد الرحمن بن الزبير ، فلم يستطع أن يمسها ، ففارقها ، فأراد رفاعة أن ينكحها ، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لا تحل لك حتى تذوق العسيلة } ، انتهى .

وروى الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا محمد بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قالت : { كانت امرأة من قريظة يقال لها : تميمة بنت وهب ، تحت عبد الرحمن بن الزبير ، فطلقها ، فتزوجها رفاعة رجل من بني قريظة ثم فارقها ، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير ، فقالت : والله يا رسول الله ما هو منه إلا كهدبة ثوبي ، فقال : والله يا تميمة لا ترجعين إلى عبد الرحمن حتى يذوق عسيلتك رجل غيره }انتهى .

وقال : لم يروه عن ابن إسحاق إلا سلمة بن الفضل انتهى .

وهذا المتن عكس متن الصحيح .

وروى أحمد في " مسنده " حدثنا مروان ثنا عبد الملك المكي ثنا عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العسيلة : هي الجماع } ، [ ص: 485 ] انتهى .

وأخرجه الدارقطني في " سننه " والمكي مجهول . قوله : ولا خلاف فيه لأحد سوى سعيد بن المسيب في سنن سعيد بن منصور عن ابن المسيب ، قال : الناس يقولون : حتى يجامعها ، وأما أنا فأقول : إذا تزوجها نكاحا صحيحا ، فإنها تحل للأول ، واستغرب هذا من سعيد ، حتى قيل : إن الحديث لم يبلغه ، كما استغرب من الحسن ، أنه يشترط الإنزال ، نظرا إلى معنى العسيلة ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية