نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 467 - 468 ] قال : ( ومن باع عبدا على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه أو أمة على أن يستولدها فالبيع فاسد ) لأن هذا بيع وشرط وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع وشرط ثم جملة المذهب فيه أن يقال : كل شرط يقتضيه [ ص: 469 ] العقد كشرط الملك للمشتري لا يفسد العقد لثبوته بدون الشرط ، وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق يفسده كشرط أن لا يبيع المشتري العبد المبيع ، لأن فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدي إلى الربا أو لأنه يقع بسببه المنازعة فيعرى العقد عن مقصوده إلا أن يكون متعارفا لأن العرف قاض على القياس ، ولو كان لا يقتضيه العقد ولا منفعة فيه لأحد لا يفسده وهو الظاهر من المذهب كشرط أن لا يبيع المشتري الدابة المبيعة لأنه انعدمت المطالبة فلا يؤدي إلى الربا ولا إلى المنازعة . إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه الشروط لا يقتضيها العقد لأن قضيته الإطلاق في التصرف والتخيير لا الإلزام حتما والشرط يقتضي ذلك وفيه منفعة للمعقود عليه والشافعي رحمه الله وإن كان يخالفنا في العتق ويقيسه على بيع العبد نسمة فالحجة عليه ما ذكرناه وتفسير المبيع نسمة أن يباع ممن يعلم أنه يعتقه لا أن يشترط فيه ، فلو أعتقه المشتري بعدما اشتراه بشرط العتق صح البيع حتى يجب عليه الثمن عند أبي حنيفة رحمه الله . وقالا : يبقى فاسدا حتى يجب عليه القيمة ، لأن البيع قد وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا كما إذا تلف بوجه آخر . ولأبي حنيفة رحمه الله أن شرط العتق من حيث ذاته لا يلائم العقد على ما ذكرناه ، [ ص: 470 ] ولكن من حيث حكمه يلائمه لأنه منه للملك والشيء بانتهائه يتقرر ، ولهذا لا يمنع العتق الرجوع بنقصان العيب فإذا تلف من وجه آخر لم تتحقق الملاءمة فيتقرر الفساد ، وإذا وجد العتق تحققت الملاءمة فيرجح جانب الجواز فكان الحال قبل ذلك موقوفا .


الحديث الحادي عشر : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط }; قلت : رواه [ ص: 469 ] الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا عبد الله بن أيوب المقري ثنا محمد بن سليمان الذهلي ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : قدمت مكة فوجدت بها أبي حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا ، وشرط شرطا ، فقال : البيع باطل ، والشرط باطل ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته ، فقال : البيع جائز ، والشرط باطل ، ثم أتيت ابن شبرمة ، فسألته فقال : البيع جائز ، والشرط جائز ، فقلت : يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة ؟ فأتيت أبا حنيفة فأخبرته ، فقال : ما أدري ما قالا ، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط } ، البيع باطل ، والشرط باطل ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته ، فقال : ما أدري ما قالا ، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن { عائشة قالت : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها ، البيع جائز ، والشرط باطل } ، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته ، فقال : ما أدري [ ص: 470 ] ما قالا ، حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن { جابر ، قال : بعت النبي صلى الله عليه وسلم ناقة ، وشرط لي حملانها إلى المدينة البيع جائز ، والشرط جائز }انتهى . ورواه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في " كتاب علوم الحديث في باب الأحاديث المتعارضة " حدثنا أبو بكر بن إسحاق ثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير ثنا محمد بن سليمان الذهلي به ، ومن جهة الحاكم ذكره عبد الحق في " أحكامه " ، وسكت عنه ، قال ابن القطان : وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث ، انتهى .

واستدل ابن الجوزي في " التحقيق " على صحة البيع بشرط العتق بحديث بريرة عن عائشة ، اشترتها بشرط العتق ، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وصحح البيع والشرط ، وإنما بين فيه بطلان شرط الولاء لغير المعتق ، ولم يذكر بطلان شرط العتق ، وأقره صاحب " التنقيح " عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية