نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 40 ] قال : ( ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه ولا يأمن على نفسه الحيف فيه ) كي لا يصير شرطا لمباشرته القبيح . وكره بعضهم الدخول فيه مختارا لقوله عليه الصلاة والسلام : " { من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين }" والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعا في إقامة العدل والترك عزيمة فلعله يخطئ ظنه ولا يوفق له أو لا يعينه عليه غيره ولا بد من الإعانة إلا إذا كان هو أهلا للقضاء دون غيره ، فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانة لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد .


[ ص: 41 ] الحديث الثالث : قال عليه السلام : { من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين }" قلت : روي من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عباس . فحديث أبي هريرة أخرجه أصحاب السنن الأربعة والترمذي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة والباقون عن عثمان بن محمد الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين }انتهى . قال : الترمذي : حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وبالسند الثاني رواه الحاكم في " المستدرك في كتاب الأحكام " ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه وكذلك رواه الدارقطني في " سننه " وأحمد ، وابن أبي شيبة ، وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم " وبسند الترمذي أيضا رواه أحمد ، والبزار ، والدارقطني . وأما حديث ابن عباس : فأخرجه ابن عدي في " الكامل " عن داود بن الزبرقان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من استقضي فقد ذبح بغير سكين }انتهى . قال ابن عدي : لا أعرف هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا من حديث داود بن الزبرقان عنه وأسند تضعيفه أعني داود عن النسائي ، وابن معين . قوله : وقد جاء في التحذير من القضاء آثار ، وقد اجتنبه أبو حنيفة رضي الله عنه وصبر على الضرب واجتنبه كثير من السلف ، وقيد محمد نيفا وثلاثين يوما أو نيفا وأربعين يوما حتى تقلده قلت : فيه حديث أبي ذر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم }; أخرجه مسلم ، ووهم الحاكم في " المستدرك " فرواه ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه انتهى .

وفيه حديث : { من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين }; وقد تقدم قبله . وحديث بريدة :

أخرجه أبو داود عن ابن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 42 ] { القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل عرف الحق فلم يقض به ، وجار في الحكم فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار }" انتهى .

ورواه الحاكم في " المستدرك في الأحكام " وزاد فيه : { قالوا : يا رسول الله فما ذنب هذا الذي يجهل ؟ قال : ذنبه أن لا يكون قاضيا حتى يعلم }وقال فيه : حديث صحيح على شرط مسلم انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه ابن حبان في " صحيحه " عن عمران بن الحطان عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره }انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ليوشكن الرجل أنه يتمنى أنه خر من الثريا ، ولم يل من أمر الناس شيئا }انتهى . وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

{ حديث آخر } أخرجه الحاكم أيضا عن سعدان بن الوليد عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من ولي على عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه فإن حكم بما أنزل الله ، ولم يرتش في حكمه ولم يحف فك الله عنه يوم لا غل إلا غله وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حكمه وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم }وسكت عنه ، ثم قال : وسعدان بن الوليد البجلي كوفي قليل الحديث ولم يخرجاه عنه .

{ حديث آخر } : رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " عن معتمر بن سليمان عن عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله بن وهب عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من كان قاضيا عالما فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيا عالما فقضى بعدل فبالحري أن ينقلب كفافا }انتهى .

قال أبو حاتم في " علله " عبد الملك هذا مجهول وعبد الله بن وهب أرى أنه ابن موهب الرملي انتهى . [ ص: 43 ]

{ حديث آخر } : روى الطبراني في " معجمه " حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا محمود بن خالد الدمشقي ثنا سويد بن عبد العزيز ثنا يسار أبو الحكم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ذر وبشر بن عاصم رضي الله عنهما أنهما قالا { لعمر بن الخطاب وقد أراد أن يستعمل بشر بن عاصم على عمل : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا }انتهى .

الآثار روى النسائي في " كتاب الكنى " أخبرنا الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران ثنا أبو عبد الله محمد بن بكار ثنا أبو عبد الرحمن يحيى بن حمزة أخبرني الوليد بن أبي السائب أنه سمع مكحولا يقول : لو خيرت بين ضرب عنقي وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي انتهى .

أثر آخر : روى ابن سعد في " الطبقات في ترجمة أبي الدرداء أخبرنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال : استعمل أبو الدرداء على القضاء فأصبح الناس يهنئونه فقال : أتهنئونني بالقضاء ، وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن أبين ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له انتهى . [ ص: 44 ]

الحديث الرابع : قال عليه السلام : { عدل ساعة خير من عبادة سنة }" ; قلت : غريب بهذا اللفظ وروى إسحاق بن راهويه في " مسنده " أخبرنا جعفر بن عون الحريثي ثنا عفان بن جبير عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين يوما }" انتهى .

وكذلك رواه الطبراني في " معجمه الأوسط " ورواه في " الكبير " عن عفان بن جبير الطائي عن أبي حريز الأزدي عن عكرمة به .

{ حديث آخر } : روى أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " حدثنا هشيم عن زياد بن مخراق عن رجل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة }" شك هشيم انتهى . أحاديث الباب :

فيه حديث : { سبعة يظلهم الله في ظله إمام عادل }أخرجه البخاري ومسلم في " الزكاة " عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه }انتهى .

ولفظ مسلم : حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله والأول لفظ البخاري قال عبد الحق في " الجمع بين الصحيحين " : وهو المعروف وفي رواية لمسلم : ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه والله أعلم . [ ص: 45 ]

{ حديث آخر } : أخرجه مسلم عن { عياض بن حماد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : أصحاب الجنة ثلاث : ذو سلطان مقسط ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم عفيف ذو عيال }مختصر أخرجه قبيل " الفتن " . ووهم الحاكم في " المستدرك " فرواه في " الأحكام " وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

{ حديث آخر } : عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن المقسطين في الدنيا على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم ، وما ولوا }انتهى . أخرجه مسلم .

{ حديث آخر } : أخرجه الترمذي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم مجلسا منه إمام عادل }قال ابن القطان في " كتابه " : وعطية العوفي مضعف وقال ابن معين فيه : صالح فالحديث به حسن انتهى .

{ حديث آخر } : رواه البيهقي في " كتاب الأسماء والصفات " أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ثنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إبراهيم بن إسحاق ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير ثنا سعد الطائي عن أبي مدلة أنه سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم }" انتهى .

{ حديث آخر } : رواه البيهقي أيضا من طريق ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن [ ص: 46 ] عمرو بن الأسود عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يد الله مع القاضي حين يقضي }" وقال : فقد تفرد به ابن لهيعة انتهى .

وفي " الطبقات " لابن سعد عن الشعبي قال : كان مسروق قاضيا وكان لا يأخذ على القضاء رزقا وقال : لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية