نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 205 ] كتاب الصلح

قال : ( الصلح على ثلاثة أضرب : صلح مع إقرار ، وصلح مع سكوت ; وهو : أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكر ، وصلح مع إنكار ، وكل ذلك جائز ) لإطلاق قوله تعالى: { والصلح خير }ولقوله عليه الصلاة والسلام : { كل صلح جائز فيما بين المسلمين ، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا }. وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز مع إنكار أو سكوت لما روينا ، وهذا بهذه الصفة ; لأن البدل كان حلالا على الدافع حراما على الآخذ فينقلب الأمر ; ولأن المدعى عليه يدفع المال لقطع الخصومة عن نفسه وهذا رشوة . ولنا ما تلونا وأول ما [ ص: 206 ] روينا ، وتأويل آخره أحل حراما لعينه كالخمر أو حرم حلالا لعينه كالصلح على أن لا يطأ الضرة ; ولأن هذا صلح بعد دعوى صحيحة فيقضى بجوازه ; لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه في زعمه وهذا مشروع والمدعى عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهذا مشروع أيضا ، إذ المال وقاية الأنفس ودفع الرشوة لدفع الظلم أمر جائز .

قال : ( فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال ) لوجود معنى البيع ، وهو مبادلة المال بالمال في حق المتعاقدين بتراضيهما ( فتجرى فيه الشفعة إذا كان عقارا ويرد بالعيب ويثبت فيه خيار الشرط والرؤية ويفسد جهالة البدل ) ; لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه ; لأنه يسقط ، ويشترط القدرة على تسليم البدل ( وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات ) لوجود معنى الإجارة ، وهو تمليك المنافع بمال والاعتبار في العقود لمعانيها فيشترط التوقيت فيها ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة ; لأنه إجارة .

قال : ( والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعي لمعنى المعارضة ) لما بينا .

( ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين وغيرهما ) وهذا في الإنكار ظاهر وكذا في السكوت ; لأنه يحتمل الإقرار والجحود فلا يثبت كونه عوضا في حقه بالشك .


[ ص: 203 - 205 ] كتاب الصلح

حديث قال عليه السلام : { الصلح جائز بين المسلمين ، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا }; قلت : روي من حديث أبي هريرة ; ومن حديث عمرو بن عوف . فحديث أبي هريرة : أخرجه أبو داود في " القضاء " عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الصلح جائز } ، إلى آخره سواء ، ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع السادس والستين ، من القسم الثالث ; والحاكم في " المستدرك في البيوع " ، وسكت عنه ، قال الذهبي في مختصره " ، كثير بن زيد ضعفه النسائي ، ومشاه غيره انتهى .

وأما حديث عمرو بن عوف : فأخرجه الترمذي ، وابن ماجه في " الأحكام " عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الصلح جائز }إلى آخره سواء ، زاد الترمذي : { والمسلمون على شروطهم ، إلا شرطا [ ص: 206 ] أحل حراما ، أو حرم حلالا }انتهى .

وقال حديث صحيح انتهى . ورواه بتمامه الحاكم أيضا في " المستدرك " ، وسكت عنه ، وقال الذهبي : هو حديث واه .

التالي السابق


الخدمات العلمية