نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 404 - 406 ] فصل في البقر

( ليس في أقل من ثلاثين من البقر السائمة صدقة ، فإذا كانت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ، ففيها تبيع أو تبيعة ) وهي التي طعنت في الثانية . ( وفي أربعين مسن أو مسنة ) وهي التي طعنت في الثالثة ، بهذا أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام معاذا رضي الله عنه .


فصل في البقر

الحديث السابع : روي { أنه عليه السلام أمر معاذا رضي الله عنه أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا ، أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة } ، قلت : أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن مسروق { عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، لما وجهه إلى اليمن ، أمره أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن كل حالم يعني [ ص: 407 ] محتلما دينارا أو عدله من المعافر } ، ثياب تكون باليمن انتهى .

قال الترمذي : حديث حسن ، ورواه بعضهم مرسلا ، لم يذكر فيه معاذا ، وهذا أصح ، انتهى . وليس عند ابن ماجه ذكر [ الحالم ] . وسيأتي بيانه في " باب الجزية " إن شاء الله تعالى .

ورواه ابن حبان في " صحيحه " مسندا في النوع الحادي والعشرين ، من القسم الأول ، والحاكم في " المستدرك " ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . انتهى .

والمرسل الذي أشار إليه الترمذي رواه ابن أبي شيبة بسنده عن مسروق ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن ، فذكره صلى الله عليه وسلم ، ورواه أحمد ، وأبو يعلى الموصلي ، والبزار في " مسانيدهم " ، وأعله عبد الحق في " أحكامه " ، فقال : مسروق لم يلق معاذا ، ذكره أبو عمر ، وغيره . انتهى .

قال ابن القطان في " كتابه " : أخاف أن يكون تصحف عليه ، أبو محمد بأبي عمر ، إذ لا يعرف لأبي عمر إلا خلاف ذلك ، وأما أبو محمد بن حزم فإنه رماه بالانقطاع أولا ، ثم رجع في آخر كلامه ، وهذا نص كلامهما ، قال أبو عمر في " التمهيد في باب حميد بن قيس " : وقد روى هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت ، ذكره عبد الرزاق : ثنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن { معاذ بن جبل ، قال : بعثه النبي عليه السلام إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة } ، الحديث .

وقال في " الاستذكار في باب صدقة الماشية " : ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا ، وأن النصاب المجمع عليه فيها ، وحديث طاوس هذا عن معاذ غير متصل ، والحديث عن معاذ ثابت متصل من رواية معمر ، والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ ، بمعنى حديث مالك ، فهذا نص آخر . وأما ابن حزم فإنه قال أول كلامه : إنه منقطع ، وإن مسروقا لم يلق معاذا ، ثم استدركه في آخر المسألة ، فقال : وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر ، ومسروق بلا شك عندنا [ ص: 408 ] أدرك معاذا بسنه وعقله ، وشاهد أحكامه يقينا ، وأفتى في أيام عمر ، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل كان باليمن أيام معاذ ، بنقل الكافة من أهل بلده ، كذلك عن معاذ في أخذه لذلك عن عهد النبي عليه السلام عن الكافة . انتهى كلام ابن حزم .

قال ابن القطان : ولا أقول : إن مسروقا سمع من معاذ ، إنما أقول : إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ رضي الله عنه بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما ، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور ، وشرط البخاري ، وابن المديني أن يعلم اجتماعهما ، ولو مرة واحدة ، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر ، لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر منقطع ، إنما يقولان لم يثبت سماع فلان من فلان ، فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان : أحدهما : أنه محمول على الاتصال . والآخر : أن يقال : لم يعلم اتصال ما بينهما ، فأما الثالث ، وهو أنه منقطع فلا . انتهى كلامه بحروفه .

والحديث له طرق أخرى : فمنها عن أبي وائل عن معاذ ، وهي عند أبي داود ، والنسائي ، ومنها عن إبراهيم النخعي عن معاذ ، وهي عند النسائي ، ومنها عن طاوس عن معاذ ، وهي في " موطأ مالك " ، قال في " الإمام " : ورواية إبراهيم عن معاذ منقطعة ، بلا شك ، ورواية طاوس عن معاذ كذلك ، قال الشافعي : وطاوس عالم بأمر معاذ ، وإن كان لم يلقه ، وقال عبد الحق في " أحكامه " : وطاوس لم يلق معاذا . انتهى .

أحاديث الباب : أخرج الترمذي ، وابن ماجه عن أبي عبيدة عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : { في كل ثلاثين من البقر تبيع ، أو تبيعة ، وفي كل أربعين مسنة }. انتهى . قال الترمذي : وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ، ثم أسند عن عمرو بن مرة ، قال : سألت أبا عبيدة ، هل يذكر من عبد الله شيئا ؟ قال : لا . انتهى .

وقال عبد الحق في " أحكامه " : ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته . انتهى .

أحاديث مخالفة لما تقدم : روى أبو داود في " مراسيله " عن معمر ، قال : أعطاني [ ص: 409 ] سماك بن الفضل { كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقوقس ، فإذا فيه : وفي البقر مثل ما في الإبل } ، وأخرج أيضا عن معمر عن الزهري ، قال : في خمس من البقر شاة ، وفي عشر شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياه ، وفي عشرين أربع شياه ، وفي خمس وعشرين بقرة ، إلى خمس وسبعين ، ففيها بقرتان إلى عشرين ومائة . فإذا زادت على عشرين ومائة ، ففي كل أربعين بقرة ، قال الزهري : وبلغنا أن قول النبي عليه السلام : في كل ثلاثين بقرة تبيع ، وفي كل أربعين بقرة بقرة ، أنه كان تخفيفا لأهل اليمن ، ثم كان هذا بعد ذلك ، .

وروى ابن أبي شيبة في " المصنف " عن عبد الأعلى عن داود عن عكرمة بن خالد ، قال : استعملت على صدقات عك ، فلقيت أشياخا ممن صدق على عهد رسول الله ، فاختلفوا علي ، فمنهم من قال : اجعلها مثل صدقة الإبل ، ومنهم من قال : في ثلاثين ، تبيع ، وفي أربعين ، مسنة . انتهى . ولم يعلها الشيخ في " الإمام " بغير إرسال ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية