نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 439 - 446 ] فصل في العروض

( الزكاة واجبة في ) ( عروض التجارة ) ( كائنة ما كانت ، إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب ) لقوله عليه الصلاة والسلام فيها { يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم }ولأنها معدة للاستنماء بإعداد العبد ، فأشبه المعد بإعداد الشرع ، وتشترط نية التجارة ليثبت الإعداد . ثم قال : ( يقومها بما هو أنفع للمساكين ) احتياطا لحق الفقراء ، قال رضي الله عنه : وهذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله ، وفي الأصل خيره ; لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء ، وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا . [ ص: 447 ] وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشترى إن كان الثمن من النقود لأنه أبلغ في معرفة المالية ، وإن اشتراها بغير النقود قومها بالنقد الغالب .

وعن محمد رحمه الله أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال ، كما في المغصوب والمستهلك . ( وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة ) لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه ، أما لا بد منه في ابتدائه للانعقاد وتحقق الغنى ، وفي انتهائه للوجوب ، ولا كذلك فيما بين ذلك لأنه حالة البقاء ، بخلاف ما لو هلك الكل حيث يبطل حكم الحول ولا تجب الزكاة لانعدام النصاب في الجملة ، ولا كذلك في المسألة الأولى ; لأن بعض النصاب باق ، فيبقى الانعقاد .


فصل في العروض

الحديث الخامس والعشرون : قال عليه السلام : { يقومها يعني عروض التجارة فيؤدي من كل مائة درهم خمسة دراهم } ، قلت : حديث غريب ، وفي الباب أحاديث مرفوعة ، وموقوفة ، فمن المرفوعة ما أخرجه أبو داود في " سننه " عن جعفر بن سعد [ ص: 447 ] حدثنا خبيب بن سليمان عن أبيه عن سمرة بن جندب { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع }انتهى . سكت عنه أبو داود ، ثم المنذري بعده ، وقال عبد الحق في " أحكامه " : خبيب هذا ليس بمشهور ، ولا نعلم روى عنه إلا جعفر بن سعد ، وليس جعفر ممن يعتمد عليه انتهى .

قال ابن القطان في " كتابه " [ ص: 448 ] متعقبا على عبد الحق ، فذكر في " كتاب الجهاد " : حديث { من كتم غالا فهو مثله } ، وسكت عنه من رواية جعفر بن سعد هذا عن خبيب بن سليمان عن أبيه ، فهو منه تصحيح . انتهى .

وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " : وسليمان بن سمرة بن جندب لم يعرف ابن أبي حاتم بحاله ، وذكر أنه روى عنه ربيعة ، وابنه خبيب . انتهى كلامه . وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر هذا الحديث : رواه أبو داود ، وغيره بإسناد حسن . انتهى .

ورواه الدارقطني في " سننه " ، والطبراني في " معجمه " به عن سمرة . قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالرقيق ، الرجل والمرأة الذي هو تلاده ، وهم عملة لا يريد بيعهم ، أن لا يخرج عنهم الصدقة ، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع }. انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام ثنا عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البز أو تبر صدقته ، ومن رفع دراهم ، أو دنانير ، أو فضة ، لا يعدها لغريم ، ولا ينفقها في سبيل الله ، فهو كنز يكوى به يوم القيامة }.

وقال الحاكم : تابعه ابن جريج عن عمران بن أبي أنس ، ثم أخرجه كذلك عن زهير بن حرب عن محمد بن بكر عن ابن جريج به ، وقال : كلا الإسنادين صحيحان على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه انتهى .

وفيه نظر ، فإن الترمذي رواه في " كتاب العلل الكبير " حدثنا يحيى بن موسى ثنا محمد بن بكر عن ابن جريج به ، ثم قال : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ، فقال ابن جريج : لم يسمع من عمران بن أبي أنس ، هو يقول : حدثت عن عمران بن أنس . انتهى .

وقال ابن القطان في " كتابه " : ابن جريج مدلس ، لم يقل : حدثنا عمران ، فالحديث منقطع ، ثم نقل كلام الترمذي ، وقال الشيخ في " الإمام " : كلا الإسنادين يرجع إلى عمران بن أبي أنس ، وهو مذكور فيمن انفرد به مسلم ، فكيف يكون على شرطهما ؟ . انتهى .

وأخرجه الدارقطني في " سننه " عن عبد الله بن معاوية عن محمد بن بكر به ، وأخرجه [ ص: 449 ] أيضا عن موسى بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس به ، وفي آخره : { وفي البز صدقة } ، قالها بالزاي . انتهى بحروفه . قال ابن القطان في " كتابه " : الأول : فيه عبد الله بن معاوية ، ولا يعرف حاله . والثاني : فيه موسى بن عبيدة الربذي ، وهو ضعيف . انتهى .

قال الشيخ في " الإمام " : فقد رواه محمد بن بكر يحيى بن موسى البلخي المعروف ببخت وهو ثقة ، كما رواه الترمذي في " العلل " فلم يبق فيه إلا الانقطاع الذي ذكره البخاري ، والله أعلم . قلت : ورواه أحمد في " مسنده " حدثنا محمد بن بكر به ، وهذا فات الشيخ .

وقال ابن الجوزي في " التحقيق " : وقد ذكر سندي الدارقطني : الإسناد الذي فيه عبد الله بن معاوية أصلح من إسناد موسى بن عبيدة ، مع أن عبد الله بن معاوية ضعفه البخاري ، والنسائي . ولكن موسى بن عبيدة أشد ضعفا منه ، قال أحمد : لا يحل عندي الرواية عنه .

وتعقبه صاحب " التنقيح " فقال : عبد الله بن معاوية الذي ضعفه البخاري ، والنسائي : هو عبد الله بن معاوية الزبيري من ولد الزبير بن العوام ، يروي عن هشام بن عروة ، وأما راوي هذا الحديث فهو الجمحي ، وهو صالح الحديث ، وليس كما قال ابن القطان : إنه لا يعرف حاله ، بل هو مشهور ، روى عنه أبو داود ، وابن ماجه ، وغيرهما . انتهى .

قال الشيخ رحمه الله في " الإمام " : واعلم أن الأصل الذي نقلت منه هذا الحديث من " كتاب المستدرك " ليس فيه : البز بالزاي المعجمة وفيه ضم الباء في الموضعين ، فيحتاج إلى كشفه من أصل آخر معتبر ، فإن اتفقت الأصول على ضم الباء فلا يكون فيه دليل على مسألة زكاة التجارة . انتهى .

وهذا فيه نظر ، فقد صرح به في " مسند الدارقطني " قالها بالزاي ، كما تقدم ، وقال النووي في " تهذيب الأسماء واللغات " : هو بالباء والزاي وهي الثياب التي هي أمتعة البزاز ، قال : ومن الناس من صحفه بضم الباء ، وبالراء المهملة وهو غلط . انتهى .

قال الشيخ : وسعيد بن سلمة المذكور في " سند الحاكم مديني ، كنيته : أبو عمر ، وأخرج له مسلم في " صحيحه " ، وقد صرح فيه بالتحديث من عمران . انتهى .

وأما الموقوفة : فمنها ما رواه مالك في " الموطأ " عن يحيى بن سعيد عن زريق بن حبان ، وكان على جوار مصر في زمان الوليد ، وسليمان ، وعمر بن عبد العزيز ، فذكر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه [ ص: 450 ] كتب إليه أن انظر من مر بك من المسلمين ، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارة ، من كل أربعين دينارا ، فما نقص فبحساب ذلك ، حتى يبلغ عشرين دينارا ، فإن نقصت ثلث دينار ، فدعها ، ولا تأخذ منها شيئا ، ومن مر بك من أهل الذمة ، فخذ مما يديرون من التجارة من كل عشرين دينارا دينارا ، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير ، فإن نقصت ثلث دينار ، فدعها ، ولا تأخذ منها شيئا ، واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابا ، إلى مثله من الحول . انتهى .

قال الشيخ في " الإمام " : زريق هذا مختلف في تقديم الزاي فيه على الراء وبالعكس ، فقيل : إن أهل مصر ، والشام يقدمون الزاي ، وأهل العراق يقدمون الراء ، قال أبو عبيد : وأهل مصر ، والشام أعلم به ، وذكره الدارقطني ، وعبد الغني بتقديم الراء وزريق لقلب له ، واسمه : سعيد ، وكنيته : أبو المقدام . انتهى .

{ حديث آخر } : روى أحمد في " مسنده " ، وعبد الرزاق في " مصنفه " ، والدارقطني في " سننه " من حديث يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه ، أنه قال : كنت أبيع الأدم والجعاب ، فمر بي عمر بن الخطاب ، فقال : أد صدقة مالك ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنما هو في الأدم ، قال : قومه ، ثم أخرج صدقته ، ورواه الشافعي عن سفيان ثنا ابن عجلان عن أبي الزناد عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه ، فذكره .

{ حديث آخر } : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : في كل مال يدار في عبيد ، أو دواب ، أو بز للتجارة ، تدار الزكاة فيه كل عام . انتهى .

وأخرج عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، قالوا : في العروض تدار الزكاة كل عام ، لا يؤخذ منها الزكاة حتى يأتي ذلك الشهر عام قابل . انتهى .

{ حديث آخر } : روى البيهقي من طريق أحمد بن حنبل رضي الله عنهما ثنا حفص بن غياث [ ص: 451 ] ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : ليس في العروض زكاة ، إلا ما كان للتجارة . انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية