صفحة جزء
[ ص: 218 ] باب الجنايات

إذا طيب المحرم عضوا فعليه شاة ، وإن لبس المخيط أو غطى رأسه يوما فعليه شاة ، وإن حلق ربع رأسه فعليه شاة ، وكذلك موضع المحاجم ( سم ) ، وفي حلق الإبطين أو أحدهما أو الرقبة أو العانة شاة ، ولو قص أظافر يديه ورجليه أو واحدة منها فعليه شاة . ولو طاف للقدوم أو للصدر جنبا أو للزيارة محدثا فعليه شاة ، وإن أفاض من عرفة قبل الإمام فعليه شاة فإن عاد إلى عرفة قبل الغروب وإفاضة الإمام سقط عنه الدم ، وإن عاد قبل الغروب بعد ما أفاض الإمام أو بعد الغروب لم يسقط ، وإن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها ، أو طواف الصدر أو أربعة منه ، أو السعي أو الوقوف بالمزدلفة فعليه شاة ، وإن طاف للزيارة وعورته مكشوفة أعاد ما دام بمكة ، وإن لم يعد فعليه دم ، ولو ترك رمي الجمار كلها أو يوم واحد ، أو جمرة العقبة يوم النحر فعليه شاة ، وإن ترك أقلها تصدق لكل حصاة نصف صاع بر ، وإن حلق أقل من ربع رأسه تصدق بنصف صاع بر ، وكذا إن قص أقل من خمسة أظافر ، وكذلك إن قص خمسة متفرقة ( م ) ، ولو طاف للقدوم أو للصدر محدثا فكذلك ، وإن طاف للزيارة جنبا فعليه بدنة وكذلك الحائض ، وإن تطيب أو لبس أو حلق لعذر إن شاء ذبح شاة ، وإن شاء تصدق بثلاثة أصوع من طعام على ستة مساكين ، وإن شاء صام ثلاثة أيام ، ومن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ، ويمضي في حجه ويقضيه ، ولا يفارق امرأته إذا قضى الحج ، وإن جامع بعد الوقوف لم يفسد حجه وعليه بدنة ، وإن جامع بعد الحلق ، أو قبل ، أو لمس بشهوة فعليه شاة ، ومن جامع في العمرة قبل طواف أربعة أشواط فسدت ، ويمضي فيها ويقضيها وعليه شاة ، وإن جامع فيها بعد أربعة أشواط لم تفسد وعليه شاة . والعامد والناسي سواء .


[ ص: 218 ] باب الجنايات

( إذا طيب المحرم عضوا فعليه شاة ) لأن الطيب من محظورات الإحرام ، لا يعرف فيه خلاف ، قال - عليه الصلاة والسلام - : " الحاج الشعث التفل " وهو الذي ترك الطيب من التفل وهو الرائحة الكريهة . وروي : " المحرم أشعث أغبر " وقد نهى - عليه الصلاة والسلام - أن يلبس المحرم من الثياب ما مسه ورس أو زعفران ، فما ظنك بما فوقه من الطيب ; . وقال - عليه الصلاة والسلام - في حديث المعتدة : " الحناء طيب " فإذا تطيب فقد جنى على إحرامه فتلزمه الكفارة ، فإن طيب عضوا كاملا كالرأس والساق ونحوهما فقد حصل الارتفاق الكامل فتجب شاة ، وما دون العضو الجناية قاصرة فتجب صدقة وهي مقدرة بنصف صاع بر لأنه أقل صدقة وجبت شرعا كالفداء والكفارة وصدقة الفطر ونحوها ، وكل ما له رائحة طيبة مستلذة ، فهو طيب كالمسك والكافور والحناء والورس والزعفران والعود والغالية والخيرى والبنفسج ونحوها ، وكذا الدهن المطيب ، وهو ما طبخ فيه الرياحين كالبنفسج والورد ، والوسمة ليست بطيب ، وأما الزيت والشيرج فطيب عند أبي حنيفة وفيه دم ؛ لأنه أصل الطيب وفيهما إزالة الشعث ، وعندهما فيه صدقة لأنه ليس له رائحة مستلذة إلا أن فيه إزالة بعض الشعث فتجب صدقة .

قال : ( وإن لبس المخيط أو غطى رأسه يوما فعليه شاة ) أيضا لأنهما من محظورات الإحرام أيضا لما بينا ، فإن كان يوما كاملا فهو ارتفاق كامل ؛ لأن المعتاد أن يلبس الثوب يوما ثم ينزع [ ص: 219 ] فتجب شاة ، وفيما دون ذلك صدقة لقصور الجناية وقد مر . وعن أبي يوسف أنه اعتبر أكثر اليوم إقامة للأكثر مقام الكل .

وعن أبي حنيفة : إذا غطى ربع رأسه فعليه شاة كالحلق ، وأنه معتاد بعض الناس . وعن أبي يوسف الأكثر لما تقدم .

قال : ( وإن حلق ربع رأسه فعليه شاة ) لأن فيه إزالة الشعث والتفل فكان جناية على الإحرام ، ثم الربع قائم مقام الكل في الرأس وهو عادة بعض الناس فكان ارتفاقا كاملا فتجب شاة . ( وكذلك موضع المحاجم ) لأنه مقصود بالحلق ، وفيه إزالة الشعث فيجب الدم ، وقالا : فيه صدقة لأنه حلق لغيره وهي الحجامة وليست من المحظورات فكذا هذا إلا أن فيه إزالة شيء من الشعث فتجب صدقة .

قال : ( وفي حلق الإبطين أو أحدهما أو الرقبة أو العانة شاة ) أيضا لأن كل ذلك ارتفاق كامل مقصود بالحلق ، وهو عضو كامل فتجب شاة .

قال : ( ولو قص أظافر يديه ورجليه أو واحدة منها فعليه شاة ) أما الجميع فلأنه ارتفاق تام مقصود ، وفيه إزالة الشعث فكان محظورا إحرامه فتجب شاة ، وكذا أحد الأعضاء الأربعة لأنه ارتفاق كامل ، وإنما يجب في الكل دم واحد لاتحاد الجنس ، وهذا إذا قصها في مجلس واحد ، فأما إذا كان في مجالس يجب بكل عضو دم . وقال محمد : يجب في الكل دم واحد لأنه عقوبة فتتداخل . ولنا أن فيه معنى العبادة فلا تتداخل إلا عند اتحاد المجلس كسجدة التلاوة .

قال : ( ولو طاف للقدوم أو للصدر جنبا أو للزيارة محدثا فعليه شاة ) لأنه أدخل النقص في الركن وهو طواف الزيارة فتجب الشاة ، وفي الطوافين وجبت الشاة في الجنابة إظهارا للتفاوت ، وطواف القدوم وإن كان سنة فإنه يصير بالشروع واجبا ، ولو طاف للعمرة جنبا أو محدثا فعليه شاة ؛ لأنه ركن فيها ، وإنما لا تجب البدنة لعدم الفرضية ; والحائض كالجنب لاستوائهما في الحكم ، ولو أعاد هذه الأطوفة على طهارة سقط الدم لأنه أتى بها على وجه المشروع فصارت جنايته متداركة فسقط الدم .

[ ص: 220 ] قال : ( وإن أفاض من عرفة قبل الإمام فعليه شاة ) إما لأن امتداد الوقوف إلى الغروب واجب لما تقدم ، أو لأن متابعة الإمام واجبة وقد تركهما فتجب شاة .

( فإن عاد إلى عرفة قبل الغروب وإفاضة الإمام سقط عنه الدم ) لأنه استدرك ما فاته .

( وإن عاد قبل الغروب بعد ما أفاض الإمام أو بعد الغروب لم يسقط ) لأنه لم يستدرك ما فاته .

قال : ( وإن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها ، أو طواف الصدر أو أربعة منه ، أو السعي أو الوقوف بالمزدلفة فعليه شاة ) أما الثلاثة من طواف الزيارة فلأنه قليل بالنسبة إلى الباقي فصار كالحدث بالنسبة إلى الجنابة .

( وإن طاف للزيارة وعورته مكشوفة أعاد ما دام بمكة ، وإن لم يعد فعليه دم ) قال - عليه الصلاة والسلام - : " لا يطوفن بالبيت عريان " وإن كان على ثوبه نجاسة لا شيء عليه ويكره . وأما ترك طواف الصدر أو أربعة منه فلتركه الواجب ، وللأكثر حكم الكل ، ويؤمر بالإعادة ما دام بمكة ويسقط الدم ، وكذا السعي والوقوف بالمزدلفة لأنهما واجبان .

قال : ( ولو ترك رمي الجمار كلها أو يوم واحد ، أو جمرة العقبة يوم النحر فعليه شاة ) معناه أنه تركها حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق ؛ لأنه ترك واجبا من جنس واحد ، وإن لم تغرب الشمس يرميها على الترتيب ، لكن يجب الدم لتأخيرها عنده ، خلافا لهما على ما بينا ، وترك رمي يوم واحد عبادة مقصودة ، وكذا جمرة العقبة يوم النحر فتجب شاة .

( وإن ترك أقلها تصدق لكل حصاة نصف صاع بر ) إلا أن يبلغ قيمته شاة فينقصه ما شاء .

[ ص: 221 ] قال : ( وإن حلق أقل من ربع رأسه تصدق بنصف صاع بر ) لأن الربع مقصود معتاد عند بعض الناس كالسواد والبادية ، فكان ارتفاقا كاملا ، وما دونه ليس في معناه ، فتجب الصدقة .

( وكذا إن قص أقل من خمسة أظافر ) لأنه لا يحصل بذلك الزينة بل يشينه ويؤذيه إذا حك جسده ، ويجب في كل ظفر نصف صاع بر ، إلا أن يبلغ قيمة دم فينقص ما شاء .

( وكذلك إن قص خمسة متفرقة ) وقال محمد : عليه دم كما إذا كانت من يد واحدة . ولنا أن الجناية تتكامل بالارتفاق الكامل وبالزينة ، وهذا القص يشينه ويؤذيه كما بينا ، والجناية إذا نقصت تجب الصدقة .

قال : ( ولو طاف للقدوم أو للصدر محدثا فكذلك ) إظهارا للتفاوت بين الحدث والجنابة ، وذلك بإيجاب الصدقة ، فكذا لو ترك ثلاثة أشواط من الصدر لنقصانه في كونه جناية عن الكل فتجب الصدقة .

قال : ( وإن طاف للزيارة جنبا فعليه بدنة ، وكذلك الحائض ) لأنه لما وجب جبر نقصان الحدث بالشاة وجب جبر نقصان الجنابة بالبدنة ، لأنها أعظم فتعظم العقوبة ، وهو مروي عن ابن عباس ، والأولى أن يعيده ليأتي به على أكمل الوجوه ، فإن أعاد فلا شيء عليه ؛ لأنه استدرك ما فاته في وقته .

قال : ( وإن تطيب أو لبس أو حلق لعذر إن شاء ذبح شاة ، وإن شاء تصدق بثلاثة أصوع من طعام على ستة مساكين ، وإن شاء صام ثلاثة أيام ) لقوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) تقديره فحلق ففدية ، وقد فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ذكرناه ، ثم الصدقة والصوم يجزئ في أي مكان شاء لأنهما قربة في جميع الأماكن على جميع الفقراء .

وأما الذبح فلا يجوز إلا بالحرم ؛ لأنه لم يعرف قربة إلا في زمان مخصوص أو مكان [ ص: 222 ] مخصوص وكذا كل دم وجب في الحج جناية أو نسكا .

قال : ( ومن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ، ويمضي في حجه ويقضيه ) وكذلك المرأة إن كانت محرمة . أما فساد الحج فلوجود المنافي ، قال تعالى : ( فلا رفث ) وهو الجماع . وقال ابن عباس : المحرم إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ، ومثله لا يعرف إلا توقيفا ، ولأن الوطء صادف إحراما غير متأكد حتى لا يلحقه الفوات فيفسد ، بخلاف ما بعد الوقوف لأنه تأكد حتى لا يلحقه الفوات . أما وجوب الشاة والمضي والقضاء فلما تقدم من حديث ابن عباس . وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن جامع امرأته وهما محرمان ; قالت : " يريقان دما ويمضيان في حجتهما ويحجان من قابل " .

( ولا يفارق امرأته إذا قضى الحج ) لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يذكر المفارقة لما سئل عنها ، ولو وجب لذكره كغيره تنبيها على الحكم ، ولأن النكاح قائم ، ولا موجب للمفارقة ; أما قبل الإحرام فلأنه يحل له جماعها فلا معنى للمفارقة ; وأما بعده فلأنهما إذا ذكرا ما وجدا من التعب وزيادة النفقة يحترزان عن ذلك أكثر من غيرهما ، وكذا في موضع الجماع حتى لو خاف العود يستحب لهما المفارقة .

قال : ( وإن جامع بعد الوقوف لم يفسد حجه ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " الحج عرفة ، فمن وقف بعرفة فقد تم حجه " .

قال : ( وعليه بدنة ) منقول عن ابن عباس ولأنه لما لم يجب القضاء علمنا أنه شرع لجبر [ ص: 223 ] نقص تمكن في الحج ، والنقصان في الجماع فاحش وجناية غليظة ، فتغلظ الكفارة فتجب بدنة ، بخلاف ما قبل الوقوف لأن الجابر ثم هو القضاء ، وإنما وجبت الشاة لرفضه الإحرام قبل أوانه فافترقا ، وإن جامع ثانيا بعد الوقوف عليه شاة ؛ لأن الأول صادف إحراما متأكدا محترما ، والثاني صادف إحراما منخرما منهتكا بالوطء فخفت الجناية .

قال : ( وإن جامع بعد الحلق ، أو قبل ، أو لمس بشهوة فعليه شاة ) لبقاء الإحرام في حق النساء ، وسواء أنزل أو لم ينزل ; وكذا إذا جامع فيما دون الفرج ، وكذا إذا جامع بهيمة فأنزل ، أو عبث بذكره فأنزل ؛ لأنه قضاء الشهوة باللمس ، ولا شيء عليه بالنظر وإن أنزل لأنه ليس في معنى الجماع .

قال : ( ومن جامع في العمرة قبل طواف أربعة أشواط فسدت ) لوجود المنافي .

( ويمضي فيها ويقضيها ) لأنها لزمت بالإحرام كالحج .

( وعليه شاة ) لوجود الجناية ، وهو الارتفاق الكامل على إحرامه .

( وإن جامع فيها بعد أربعة أشواط لم تفسد ) لوجود الأكثر .

( وعليه شاة ) لأنها سنة . فتكون الجناية أنقص ، فيظهر التفاوت في الكفارة ; ولو جامع القارن قبل طواف العمرة فسدت عمرته وحجته لما تقدم ، وعليه شاتان لجنايته على إحرامين ; ولو جامع بعد طواف العمرة أو أكثره قبل الوقوف تمت عمرته وفسد حجه لما بينا ; ولو جامع بعد الوقوف قبل الحلق فعليه بدنة للحج وشاة للعمرة كما لو انفردا .

قال : ( والعامد والناسي سواء ) لأن حالات الإحرام مذكرة كحالات الصلاة فلا يعذر بالنسيان ، كذلك إذا جومعت النائمة والمكرهة لوجود الارتفاق بالجماع .

التالي السابق


الخدمات العلمية