صفحة جزء
[ ص: 307 ] فصل

الأجراء

الأجراء : مشترك كالصباغ والقصار ، ولا يستحق الأجرة حتى يعمل ، والمال أمانة في يده ، إلا أن يتلف بعمله ، كتخريق الثوب من دقه ، وزلق الحمال ، وانقطاع الحبل من شده ونحو ذلك ، إلا أنه لا يضمن الآدمي إذا غرق في السفينة من مده ، أو سقط من الدابة بسوقه وقوده ولا ضمان على الفصاد والبزاغ إلا أن يتجاوز الموضع المعتاد ، وخاص كالمستأجر شهرا للخدمة ورعي الغنم ونحوه ، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه وإن لم يعمل ، ولا يضمن ما تلف في يده ولا بعمله إذا لم يتعمد الفساد ، ومن استأجر عبدا فليس له أن يسافر به إلا أن يشرطه .


فصل

[ الأجراء ]

فصل

( الأجراء : مشترك كالصباغ والقصار ) لأن المعقود عليه إما العمل أو أثره ، والمنفعة غير مستحقة فله أن يعمل للغير فكان مشتركا .

( ولا يستحق الأجرة حتى يعمل ) لأن الأجرة لا تستحق بالعقد على ما سنبينه إن شاء الله تعالى .

( والمال أمانة في يده ) لأنه قبضه بإذن المالك فلا يضمنه .

( إلا أن يتلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل من شده ونحو ذلك ) لأنه مضاف إلى فعله وهو لم يؤمر إلا بعمل فيه صلاح ، فإذا أفسده فقد خالف فيضمن .

( إلا أنه لا يضمن الآدمي إذا غرق في السفينة من مده ، أو سقط من الدابة بسوقه وقوده ) لأن الآدمي لا يضمن بالعقد وإنما يضمن بالجناية ، ولو غرقت من موج أو ريح أو صدم جبل أو زوحم الحمال فلا ضمان عليهم ؛ لأنه لا فعل لهم في ذلك ، ولو تلف بفعل أجير القصار لا متعمدا فالضمان على الأستاذ ، لأن فعل الأجير مضاف إلى أستاذه .

وقال أبو يوسف ومحمد : يضمن سواء هلك بفعله أو بغير فعله ، إلا ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والحريق والغرق الغالب ، والعدو المكابر ؛ لأنه يجب عليه حفظه عما يمكن التحرز عنه ، فإذا تركه ضمن كما إذا هلك بفعله ، وهو مروي عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - ; ثم إن [ ص: 308 ] شاء ضمنه معمولا وأعطاه الأجر وغير معمول ولا أجر له . وقال زفر : لا يضمن في الوجهين لأنه عمل بأمر المالك وصار كأجير الواحد ، وجوابه ما مر لأبي حنيفة .

قال : ( ولا ضمان على الفصاد والبزاغ إلا أن يتجاوز الموضع المعتاد ) لأنه إذا فعل المعتاد لا يمكنه الاحتراز عن السراية ؛ لأنه يبتنى على قوة المزاج وضعفه وذلك غير معلوم فلا يتقيد به ، بخلاف دق الثوب لأن رقته وثخانته تعرف لأهل الخبرة به فتقيد بالصلاح; ولو قال للخياط : إن كفاني هذا الثوب قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمن ؛ لأنه إنما أذن له في القطع بشرط الكفاية; ولو قال له : هل يكفيني; فقال نعم ، قال فاقطع فلم يكفه لا يضمن لأنه أمره بالقطع مطلقا .

قال : ( وخاص كالمستأجر شهرا للخدمة ورعي الغنم ونحوه ) لأن منافعه صارت مستحقة للمستأجر طول المدة فلا يمكنه صرفها إلى غيره فلهذا كان خاصا ، ويسمى أجير الواحد أيضا . ( ويستحق الأجرة بتسليم نفسه وإن لم يعمل ) .

لأنها مقابلة بالمنافع ، وإنما ذكر العمل لصرف المنفعة المستحقة إلى تلك الجهة ، ومنافعه صارت مستوفاة بالتسليم تقديرا حيث فوتها عليه فاستحق الأجرة .

قال : ( ولا يضمن ما تلف في يده ) لما مر ( ولا بعمله إذا لم يتعمد الفساد ) لأن المعقود عليه المنفعة وهي سليمة ، والمعيب العمل الذي هو تسليم المنفعة وهو غير معقود عليه ولا يكون مضمونا عليه ، ولأن المنافع إذا صارت ملكا للمستأجر فإذا أمره بالعمل انتقل عمله إليه ؛ لأنه يصير نائبا عنه فيصير كأنه فعله بنفسه ، وما تلف من عمله ضمانه على أستاذه لما أنه أجير خاص .

قال : ( ومن استأجر عبدا فليس له أن يسافر به إلا أن يشرطه ) لأن خدمة السفر أشق فلا ينتظمها العقد إلا بشرط ، فإن استأجره للخدمة فعليه خدمته من السحر إلى أن ينام الناس بعد [ ص: 309 ] العشاء عملا بالعرف في الخدمة ، وعليه خدمة البيت والضيف دون الخبز والطبخ والخياطة وعلف الدواب ونحو ذلك ، ولو أجر عبده سنة ثم أعتقه في خلالها جاز العتق; والعبد إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ ، وأجرة ما مضى للسيد وما بقي للعبد ، لأن منفعته بعد العتق له فيكون له بدلها ، وإذا أجاز فليس له فسخها بعد ذلك ، وليس للعبد قبض الأجرة إلا بإذن المولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية