صفحة جزء
[ ص: 378 ] ولا بد أن تكون الدعوى بشيء معلوم الجنس والقدر ، فإن كان دينا ذكر أنه يطالبه به ، وإن كان عينا كلف المدعى عليه إحضارها ، فإن لم تكن حاضرة ذكر قيمتها ، وإن كان عقارا ذكر حدوده الأربعة ، وأسماء أصحابها ونسبهم إلى الجد ، وذكر المحلة والبلد ، ثم يذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به ، وإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه ، فإن اعترف أو أقام المدعي بينة قضى عليه ، وإلا يستحلف ، فإن حلف انقطعت الخصومة إلا أن تقوم البينة ، وإن نكل يقضي عليه بالنكول ، فإن قضى أول ما نكل جاز ، والأولى أن يعرض عليه اليمين ثلاثا ، ويثبت النكول بقوله لا أحلف ، وبالسكوت إلا أن يكون به خرس أو طرش ، ولا ترد اليمين على المدعي ( ف ) ، وإن قال : لي بينة حاضرة في المصر وطلب يمين خصمه لم يستحلف ( سم ف ) ويأخذ منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام ، وإن كان غريبا يلازمه مقدار مجلس القاضي ، ولا يستحلف في النكاح ( سم ) والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود ، ويستحلف في القصاص ، فإن نكل اقتص منه ( سم ) في الأطراف ، وفي النفوس يحبس حتى يحلف ( سم ) أو يقر ، وإن ادعت عليه طلاقا قبل الدخول استحلف ، فإن نكل قضي عليه بنصف المهر واليمين بالله تعالى لا غير ، وتغلظ بأوصافه إن شاء القاضي ، ويحتاط من التكرار ، ولا تغلظ بزمان ولا مكان ، ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، والمجوسي بالله الذي خلق النار ، والوثني بالله ، ولا يحلفون في بيوت عباداتهم ، فيحلفه في البيع بالله ما بينكما بيع قائم فيما ذكر ، وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم في الحال ، وفي الطلاق ما هي بائن منك الساعة ، وفي الوديعة ما له هذا الذي ادعاه في يدك وديعة ولا شيء منه ، ولا له قبلك حق ، وإذا قال المدعى عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب ، أو رهنه عندي ، أو غصبته منه أو أعارني أو آجرني وأقام على ذلك بينة فلا خصومة إلا أن يكون محتالا ، وإذا قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه لم تندفع الخصومة .


قال : ( ولا بد أن تكون الدعوى بشيء معلوم الجنس والقدر ) لأن الدعوى للإلزام ، والقضاء بالمجهول غير ممكن ، وكذلك الشهادة بالمجهول لا تقبل .

( فإن كان دينا ذكر أنه يطالبه به ) لأن فائدة الدعوى إجبار القاضي المدعى عليه على إيفاء حق المدعي ، وليس للقاضي ذلك إلا إذا طالبه به فامتنع ، ولا بد من ذكر الوصف لأنه لا يعرف إلا به .

( وإن كان عينا كلف المدعى عليه إحضارها ) ليشير إليها بالدعوى والشهود عند أداء الشهادة ، والمنكر عند اليمين ، ولأن ذلك أبلغ في التعريف .

( فإن لم تكن حاضرة ذكر قيمتها ) لأنه إذا تعذر مشاهدة العين فالقيمة تقوم مقامها كما في الاستهلاك ، إذ هي المقصود غالبا ، ويذكر في القيمة شيئا معينا في قدره ووصفه وجنسه نفيا للجهالة لما بينا ، وإن كان حيوانا يذكر الذكورة أو الأنوثة .

( وإن كان عقارا ذكر حدوده الأربعة وأسماء أصحابها ونسبهم إلى الجد وذكر المحلة والبلد ) [ ص: 379 ] لأن العقار لا يمكن إحضاره فتعذر تعريفه بالإشارة فيعرف بالحدود ويبدأ بذكر البلدة لأنه أعم ثم بالمحلة التي فيها العقار ثم يبين الحدود ؛ لأن التعريف يقع بذلك ، ولا بد من ذكر أصحابها وأسماء آبائهم وأجدادهم ؛ لأنه أبلغ في التعريف ، وفي ذكر الجد خلاف أبي يوسف ، وقد تقدم ، وإن كان الرجل مشهورا لا يحتاج إلى ذكر النسب لوجود التعريف بدونه ، وكذلك يجب على الشهود ذكر الحدود كما مر .

قال : ( ثم يذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به ) لأنه إذا لم يكن في يده لا يكون خصما والحق له فلا يستوفى إلا بطلبه ؛ ولأنه يحتمل أنه في يده رهنا أو محبوسا بالثمن ، فإذا طالبه زال الاحتمال ، ولا يثبت كونه في يده إلا ببينة أو علم القاضي ، ولا يثبت بتصادقهما نفيا لتهمة المواضعة لجواز أنه في يد غيره بخلاف المنقول ، لأن اليد فيه مشاهدة .

قال : ( وإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه ) لينكشف وجه الحكم ولوجوب الجواب عليه ( فإن اعترف أو أقام المدعي بينة قضى عليه ) أما الاعتراف فلأنه لا تهمة فيه ، قال تعالى : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) أي شاهد ، وأما البينة فلأنها مشتقة من البيان وهو الإظهار ، فهي تظهر الحق وتكشف صدق الدعوى فيقضي بها ، وعلى هذا إجماع المسلمين .

قال : ( وإلا يستحلف ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " ألك بينة ؟ " قال : لا ، قال : " فلك يمينه " ولا بد من طلب المدعي واستحلافه ؛ لأنها حقه بالإضافة إليه .

( فإن حلف انقطعت الخصومة ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " ليس لك غير ذلك " فيما روينا من الحديث .

قال : ( إلا أن تقوم البينة ) فتقبل ، قال - عليه الصلاة والسلام - : " اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة " لأن طلب اليمين لا يدل على عدم البينة لاحتمال أنها غائبة أو حاضرة في البلد ولم يحضرها ؛ ولأن اليمين بدل عن البينة ، وإذا قدر على الأصل بطل حكم الخلف .

[ ص: 380 ] قال : ( وإن نكل يقضي عليه بالنكول ) لأن النكول اعتراف وإلا يحلف دفعا للضرر عنه وقطعا للخصومة ، فكان نكوله إقرارا أو بدلا فيقضى به .

( فإن قضى عليه أول ما نكل جاز ) لأنه حجة كالإقرار .

( والأولى أن يعرض عليه اليمين ثلاثا ) ويخبره أن من مذهبه القضاء بالنكول ؛ لأنه فصل مجتهد فيه ، فربما يخفى عليه حكمه ، فإذا عرض عليه ثلاثا وأبى قضى عليه ، هكذا فعله أبو يوسف مع وكيل الخليفة وألزمه بالمال ، وإن قال بعد النكوص : أنا أحلف إن كان قبل القضاء حلفه لكونه مختلفا فيه ، وإن كان بعد القضاء لم يحلفه ؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار ، ولو أقر ثم قال أحلف لا يسمع منه كذا هذا .

( ويثبت النكول بقوله لا أحلف ) لأنه صريح فيه .

( وبالسكوت ) لأنه لا دلالة عليه وإلا يحلف .

( إلا أن يكون به خرس أو طرش ) فيعذر .

قال : ( ولا ترد اليمين على المدعي ) لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه " جعل جنس اليمين على المدعى عليه ؛ لأنه ذكره بالألف واللام وذلك ينفي ردها على المدعي ، ولأنه قسم والقسمة تنافي الشركة ، فلا يكون للمدعي يمين ، ويلزم من هذا عدم جواز القضاء بالشاهد واليمين ؛ لأن ما روينا ينبغي أن يكون للمدعي يمين معتبرة ، فيبقى القضاء بشاهد فرد ، وأنه خلاف الإجماع ، وكذا قوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث الحضرمي : " ألك بينة " ؟ قال : لا ، قال : " لك يمينه ليس لك غير ذلك " ينفي الجواز أيضا لأنه غير المشار إليه في الحديث . وما روي : " أنه - عليه الصلاة والسلام - قضى بشاهد ويمين " فمردود لوجوه :

أحدها : أنه مخالف للكتاب ؛ لأنه تعالى أوجب الحق للمدعي بشهادة رجلين ، ونقله عند عدمهما إلى شهادة رجل وامرأتين ، فالنقل إلى غيره خلاف الكتاب ، أو نقول الزيادة عليه خلاف الكتاب .

[ ص: 381 ] الثاني : أنه ورد في حادثة عامة مختلفة بين السلف ، فلو كان ثابتا لارتفع الخلاف ، فلما لم يرتفع دل على عدم ثبوته .

الثالث : أنه خبر آحاد ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : " البينة على المدعي " مشهور قريب من التواتر فلا يعارضه ؛ لأن خبر الآحاد إذا ورد معارضا للخبر المشهور يرد .

الرابع : رده أئمة الحديث كيحيى بن معين وغيره .

الخامس : ما روي عن معمر قال : سمعت الزهري يقول : القضاء بالشاهد واليمين بدعة ، وأول من قضى به معاوية .

قال : ( وإن قال : لي بينة حاضرة في المصر وطلب يمين خصمه لم يستحلف ) عند أبي حنيفة ، وقالا : يستحلف ، لأن اليمين حقه فلا يبطل إلا بإقامة البينة لا بالقدرة عليها ، واعترافه بالبينة لا يكون اعترافا بسقوط اليمين ، وله قوله - عليه الصلاة والسلام - : " ألك بينة ; قال : لا ، قال : فلك يمينه " رتب اليمين على عدم البينة فلا يجب مع وجودها ؛ ولأنا أجمعنا على أنه لو قامت البينة سقطت اليمين ، حتى لو قال المدعى عليه : أنا أحلف لا يلتفت إليه ، وإذا كانت اليمين لا يثبت حكمها مع البينة ، فإذا اعترف بالبينة وأنه قادر على إقامتها فقد اعترف أنه لا يمين على المدعى عليه .

قال : ( ويأخذ منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام ) ويجيبه القاضي إلى ذلك استحسانا لاحتمال أنه يغيب قبل إقامة البينة ، وكذا لو أقام البينة قبل القضاء لاحتمال أنه يغيب قبل القضاء فيتعذر القضاء فيكفله مدة إحضار الشهود على ما يروى عنأبي يوسف وعن أبي حنيفة ثلاثة أيام ، ألا ترى أنه بمجرد الدعوى عند القاضي يعده إحياء للحقوق كذا هذا ، ويكتفي بالكفيل أن يكون معروفا ليحصل التوثق ، ولا يشترط كونه مليا أو تاجرا ، فإن امتنع أن يعطيه كفيلا أمره القاضي بالملازمة على الوجه الذي ذكرنا في أدب القاضي .

[ ص: 382 ] ( وإن كان غريبا يلازمه مقدار مجلس القاضي ) لأن ملازمته أكثر من ذلك تضره وتمنعه من سفره من غير حجة ، بخلاف المقيم إذ لا ضرر عليه في ذلك ، وهذا إذا كان حقا لا يسقط بالشبهة; أما الحدود والقصاص في النفس فلا يأخذ منه كفيلا ، وقالا : يأخذ منه كفيلا في حد القذف وفي السرقة إن ادعى المال .

قال : ( ولا يستحلف في النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود ) وقالا : يستحلف فيها إلا الحدود واللعان ، وهذا بناء على أن النكول بذل عنده ، والبذل لا يجري في هذه الأشياء إقرار عندهما ، والإقرار يجري فيها . لهما أن الناكل ممتنع عن اليمين الكاذبة ظاهرا ، فيصير معترفا بالمدعى دلالة ، إلا أنه إقرار فيه شبهة ، والحدود تندرئ بالشبهات ، واللعان في معنى الحدود .

وله أنا اعتبرناه إقرارا يكون كاذبا في إنكاره والكذب حرام ، ولو جعلناه بذلا وإباحة لا يكون كاذبا فيجعل باذلا صيانة له عن الحرام ، والمقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول ، فكل موضع لا يقضى فيه بالنكول لا يستحلف ، ويستحلف في السرقة إن ادعى المال فيحلفه بالله ما له عليه هذا المال ولا شيء منه ، فإن نكل ضمنه المال لثبوته مع الشبهة ، ولا يقطع ؛ لأن الحد لا يثبت مع الشبهة ، ودعوى الاستيلاد أن تدعي الأمة أنها أم ولد سيدها ، وهذا ابنها منه والمولى ينكر ، أما لو ادعى المولى لا يلتفت إلى إنكارها ؛ لأن الاستيلاد والنسب يثبت بمجرد قوله . واختار الفقيه أبو الليث الفتوى على قولهما لعموم البلوى ، ثم عندهما كل نسب يثبت من غير دعوى المال كالبنوة والزوجية والمملوكية يستحلف عليه ، وكل نسب لو أقر به لا يثبت إلا بدعوى المال كالأخ والعم لا يستحلف إلا إذا ادعى بسببه مالا أو حقا كدعوى الإرث وعدم الرجوع في الهبة ونحوه .

قال : ( ويستحلف في القصاص ) بالإجماع .

( فإن نكل اقتص منه في الأطراف وفي النفوس يحبس حتى يحلف أو يقر ) وقالا : يلزمه الأرش فيهما ، لأن النكول إقرار فيه شبهة العدم فلا يثبت به القصاص ، فيجب المال سيما إذا ادعى الولي العمد والآخر الخطأ . ولأبي حنيفة أن الأطراف تجري مجرى الأموال فيجري فيها البذل حتى لو قال لغيره اقطع يدي فقطعها لا شيء عليه ، وهذا دليل البذل ، إلا أنه لا يباح له القطع ، لأنه لا فائدة له فيه ، والبذل هنا مفيد لانقطاع الخصومة ، ولا كذلك النفس فلا يجري فيها البذل ، وإذا [ ص: 383 ] امتنع القصاص في النفس واليمين مستحقة عليه يحبس بها كما في القسامة .

قال : ( وإن ادعت عليه طلاقا قبل الدخول استحلف ) لأنه دعوى مال .

( فإن نكل قضي عليه بنصف المهر ) لما مر ، وكذا إذا ادعت الصداق في النكاح يستحلف ؛ لأنها دعوى مال ، ويثبت المال بالنكول دون النكاح وقد مر .

( واليمين بالله تعالى لا غير ) قال - عليه الصلاة والسلام - : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر " .

( وتغلظ بأوصافه إن شاء القاضي ) وقيل يختلف ذلك باختلاف حال الحالف وصلاحه وخوفه وقلة مبالاته وغير ذلك ، وقيل يختلف بكثرة المال وقلته ، وينبغي للقاضي أن يعظ الحالف قبل الحلف ، ويعظم عنده حرمة اليمين ، ويتلو عليه قوله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) الآية ، ويذكر له قوله - صلى لله عليه وسلم - " من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم ، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان " وتغليظ اليمين أن يقول : والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب ، المدرك المهلك ، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ، الكبير المتعال ، ويزيد عليه ما يشاء وينقص .

( ويحتاط من التكرار ) بإدخال الحروف العاطفة بين هذه الأسماء ، فإن المستحق عليه يمين واحدة .

( ولا تغلظ بزمان ولا مكان ) لأن تعظيم المقسم به حاصل في كل زمان ومكان وهو المقصود ، ولا يستحلف بالطلاق ولا بالعتاق للحديث . وقيل يحلف في زماننا لقلة مبالاة الناس [ ص: 384 ] باليمين الكاذبة وكثرة إقدامهم على ذلك ، وكراهتهم اليمين بالطلاق والعتاق ، لأن المقصود امتناعهم عن اليمين الكاذبة وجحود الحق ، وذلك فيما يعظمونه أكثر .

قالت : ( ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، والمجوسي بالله الذي خلق النار ) والأصل في ذلك ما روي : " أنه - صلى الله عليه وسلم - حلف ابن صوريا اليهودي على حكم الزنا في التوراة فقال له : " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى " وإذا ثبت هذا في اليهودي فالنصراني مثله في الإنجيل ، والمجوسي في النار ، لأن النصراني يعظم الإنجيل ، والمجوسي يعظم النار كتعظيم اليهودي التوراة ، فيحلفهم بما يكون أعظم في صدورهم ، والمذكور في المجوسي قول محمد . أما عندهما يحلف بالله لا غير ؛ لأن التغليظ بغير الله تعالى لا يجوز ، ولأن ذكر النار مع ذكر الله تعالى تعظيم لها ، ولا يجوز ، إلا أن اليهودي والنصراني ورد فيهما نص خاص ، ولأن كتب الله تعالى معظمة . وعن أبي حنيفة - رحمه الله - : أنه لا يحلف أحد إلا بالله خالصا .

( و ) يحلف . ( الوثني بالله ) لأنهم يعتقدون الله ، قال الله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) ولا يستحلف بالله الذي خلق الوثن والصنم لما مر ، ولو اقتصر في الكل على قوله بالله فهو كاف ؛ لأن الزيادة للتأكيد كما قلنا في المسلم ، وإنما يغلظ ليكون أعظم في قلوبهم ، فلا يتجاسرون على اليمين الكاذبة .

قال : ( ولا يحلفون في بيوت عباداتهم ) لأن الغرض اليمين بالله ، ولأن ذلك يشعر بتعظيمها ولا يجوز ؛ ولأن المسلم ممنوع من دخولها . ويستحلف الأخرس فيقول له القاضي : عليك عهد الله إن كان لهذا عليك هذا الحق ، ويشير الأخرس برأسه : أي نعم .

ثم الاستحلاف على نوعين : على العقود الشرعية والأفعال الحسية ؛ فالعقود الشرعية : يحلفه القاضي على الحاصل بالله ما له قبلك ما ادعى من الحق ، ولا يحلفه على السبب وهو العقد ، [ ص: 385 ] لأن العقد ربما انفسخ بالتفاسخ أو بالبراءة من موجبه بالإبراء والإيفاء فيتضرر بذلك ؛ لأنه إن حلف كذب ، وإن لم يحلف قضي عليه بالنكول ، ولا كذلك إذا حلفه على الحاصل ؛ لأنه إن كان محقا أمكنه الحلف فلا يتضرر ، وقيل إن أنكر المدعى عليه السبب حلف عليه ، وإن أنكر الحكم حلف على الحاصل ، إلا أن يكون في ذلك ترك النظر للمدعي بأن يدعي الشفعة بالجوار أو نفقة المبتوتة والمدعى عليه لا يراها ، فحينئذ يحلفه على السبب ، لأنه إذا حلف على الحاصل فهو يعتقد صدق يمينه بناء على اعتقاده فيبطل حق المدعي ، فيحلفه بالله ما اشتريت هذه الدار التي سماها بكذا ، وفي المبتوتة بالله ما هي معتدة منك ، ومثله إذا ادعت الفرقة بمضي مدة الإيلاء يحلفه بالله ما إلى منها في وقت كذا ولا يحلفه بالله ما هي بائن منك ؛ لأنه لا يرى ذلك . وعن أبي يوسف أنه يحلفه على العقد إلا إذا ذكر شيئا مما ذكرنا فيحلفه على الحاصل . والأفعال الحسية نوعان : أحدها يستحلف على الحاصل أيضا كالغصب والسرقة . والثاني يحلفه على السبب على ما نبينه في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى .

( فيحلفه في البيع بالله ما بينكما بيع قائم فيما ذكر ، وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم في الحال ) لأنه قد يطلقها أو يخالعها بعد العقد .

( وفي الطلاق ما هي بائن منك الساعة ، وفي الوديعة ما له هذا الذي ادعاه في يدك وديعة ولا شيء منه ، ولا له قبلك حق ) لجواز أن يكون قد برئ من بعضها أو استهلكها ، وفي الغصب والسرقة إن كانت العين قائمة بالله ما يستحق عليك رده ؛ لأنه قد يغصبه ثم يملكه ببيع أو هبة ، وإن كانت هالكة يستحلف على قيمتها ، وقيل يحلف على الثوب والقيمة جميعا .

والنوع الثاني من الأفعال الحسية أن يدعي على غيره أنه وضع على حائطه خشبة ، أو بنى عليه ، أو أجرى ميزابا على سطحه أو في داره ، أو رمى ترابا في أرضه ، أو شق في أرضه نهرا ، فإنه يحلف على السبب بالله ما فعلت كذا ؛ لأن هذه الأشياء لا ترتفع ، ومثله إذا ادعى العبد المسلم على مولاه العتق يحلف على السبب لأنه لا يرتفع ، وفي الأمة والعبد الكافر يحلفه على [ ص: 386 ] الحاصل ، لأن الرق يتكرر على الأمة بالردة واللحاق ، وعلى العبد الكافر بنقض العهد واللحاق ولا كذلك المسلم ، ويحلفه في الدين بالله ما له عليك من الدين والقرض قليل ولا كثير ، لاحتمال أنه أدى البعض أو أبرأه منه فلا يحنث في يمينه على الجميع ، ومن افتدى يمينه من خصمه بمال صالحه عليه جاز وسقط حقه في الاستحلاف أصلا . وقد روي أن عثمان - رضي الله عنه - افتدى يمينه وقال : أخاف أن يصيب الناس بلاء فيقولون هذا بيمين عثمان .

قال : ( وإذا قال المدعى عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب أو رهنه عندي أو غصبته منه أو أعارني أو آجرني وأقام على ذلك بينة فلا خصومة إلا أن يكون محتالا ) ولا بد من إقامة البينة على دعواه لدفع الخصومة ؛ لأن بالنظر إلى كونه في يده هو خصم ثم هو بإقراره يريد دفع الخصومة عنه فلا تقبل إلا ببينة . وقوله : إلا أن يكون محتالا قول أبي يوسف فإنه قال : إن كان المدعى عليه معروفا بالصلاح فالجواب كما ذكرنا ، وإن كان معروفا بالحيل لا يندفع ؛ لأن المحتال قد يدفع ماله إلى غيره ، ثم ذلك الغير يودعه إياه ، ويسافر احتيالا لدفع الحق ، فإذا عرفه القاضي بذلك لا يقبله .

( وإذا قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه لم تندفع الخصومة ) لاحتمال أنه المدعي ولو قالوا نعرفه بوجهه ولا نعرف اسمه ونسبه اندفعت عند أبي حنيفة . وقال محمد : لا تندفع ؛ لأن القضاء بالمجهول باطل ؛ لأن المدعي لا يمكنه اتباعه فيتضرر ، وصار كالفصل الأول .

ولأبي حنيفة أن اليد تدل على الملك وتوجب الخصومة ، ممن أثبت بالبينة كونه مودعا اندفعت الخصومة عنه ، إلا أنهم إذا لم يعرفوه بوجهه احتمل أنه المدعي فلا تندفع ، وإذا عرفوه بوجهه ثبت أنه مودع من غير المدعي فاندفعت الخصومة ، كما إذا عاين القاضي أنه أودعه غير المدعي ، إذ البينة العادلة كمعاينة القاضي ، فإن قال المدعي أودعها ثم أوهبها منك ونكر يستحلفه القاضي أنه ما وهبها منه ولا باعها له ، فإن نكل صار خصما ، ولو ادعى المدعى عليه أنه اشتراها من آخر فهو خصمه لأنه أقر أن يده يد ملك فكان خصما ، ولو قال المدعى عليه نصف الدار لي ونصفها وديعة فلان وأقام البينة على ذلك اندفعت الخصومة في الكل لتعذر التمييز .

التالي السابق


الخدمات العلمية