صفحة جزء
[ ص: 387 ] وإذا كان للمسلمين قوة لا ينبغي لهم موادعة أهل الحرب ، وإن لم يكن لهم قوة فلا بأس به ، فإن وادعهم ثم رأى القتال أصلح نبذ إلى ملكهم ، وإن بدءوا بخيانة وعلم ملكهم بها قاتلهم من غير نبذ ويجوز أن يوادعهم بمال وبغيره ، وما أخذوه قبل محاصرتهم فهو كالجزية وبعدها كالغنيمة ، وإن دفع إليهم مالا ليوادعوه جاز عند الضرورة ، والمرتدون إذا غلبوا على مدينة ، وأهل الذمة إذا نقضوا العهد كالمشركين في الموادعة ، ويكره بيع السلاح والكراع من أهل الحرب وتجهيزه إليهم قبل الموادعة وبعدها .


فصل

[ موادعة أهل الحرب ]

( وإذا كان للمسلمين قوة لا ينبغي لهم موادعة أهل الحرب ) لأنه لا مصلحة في ذلك لما فيه من ترك الجهاد صورة ومعنى أو تأخيره ، لأن الموادعة طلب الأمان وترك القتال ، قال تعالى ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) .

( وإن لم يكن لهم قوة فلا بأس به ) لأنه خيرة للمسلمين ، قال تعالى : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) أي إن مالوا إلى المصالحة فمل إليهم وصالحهم ، والمعتبر في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين ، فيجوز عند وجود المصلحة دون عدمها ، ولأن عليهم حفظ أنفسهم بالموادعة ، ألا يرى أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على وضع الحرب عشر سنين ، ولأن الموادعة إذا كانت مصلحة المسلمين كان جهادا معنى ، لأن المقصود دفع الشر وقد حصل ، وتجوز الموادعة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة ، لأن تحقيق المصلحة والخير لا يتوقت بمدة دون مدة .

قال : ( فإن وادعهم ، ثم رأى القتال أصلح نبذ إلى ملكهم ) وقاتلهم ، قال تعالى : [ ص: 388 ] ( فانبذ إليهم على سواء ) والنبي صلى الله عليه وسلم نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة ، ولأن المعتبر المصلحة على ما بينا ، فإذا تبدلت يصير النبذ جهادا ، وتركه ترك الجهاد صورة ومعنى ، ولا بد من النبذ تحرزا عن الغدر المنهي عنه ، ويكتفي بعلم الملك لأنه صاحب أمرهم ويعلمهم بذلك ، ويشترط مدة يبلغ خبر النبذ إلى جماعتهم ، فإذا مضت مدة يمكن الملك إعلامهم جاز مقاتلتهم وإن لم يعلمهم ، لأن التقصير من ملكهم فلا يكون غدرا ، ولو آمنهم ولم ينزلوا من حصنهم فلا بأس بقتالهم بعد الإعلام ، وإن نزلوا إلى عسكر المسلمين فهم على أمانهم حتى يعودوا إلى حصنهم لأنهم نزلوا بسبب الأمان ، فلا يزالون على حكمه حتى يعودوا إليه .

قال : ( وإن بدءوا بخيانة وعلم ملكهم بها قاتلهم من غير نبذ ) لأنهم قد نقضوا العهد لما كان باختيار ملكهم; أما لو دخل منهم جماعة دارنا وقطعوا الطريق بغير أمر الملك لا يكون نقضا في حق الجميع لأنه بغير إذن الملك ، ويكون نقضا في حقهم خاصة فيقتلون .

قال : ( ويجوز أن يوادعهم بمال وبغيره ) إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين ، ولهم حاجة إلى المال لما مر .

( وما أخذوه قبل محاصرتهم ) بأن أرسل إليهم رسولا ( فهو كالجزية ) لا يخمس لأنه مال أهل الحرب حصل لنا بغير قتال ( و ) ما أخذوه ( بعدها ) أي محاصرتهم يخمس ( كالغنيمة ) ويقسم الباقي لأنه حصل بقوة الجيش .

قال : ( وإن دفع إليهم مالا ليوادعوه جاز عند الضرورة ) وهو خوف الهلاك ، لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق كان ، فإنه إذا لم يكن بالمسلمين قوة ظهر عليهم عدوهم فأخذ الأنفس والأموال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " اجعل مالك دون نفسك " وإن لم يكن ضرورة لا يجوز لما فيه من إلحاق الذلة بالمسلمين وإعطاء الدنيئة : أي الخسة في الدين .

قال : ( والمرتدون إذا غلبوا على مدينة ، وأهل الذمة إذا نقضوا العهد كالمشركين في الموادعة ) أما المرتدون فلأن الإسلام مرجو منهم فيوادعهم لينظروا في أمورهم فربما عادوا إلى [ ص: 389 ] الإسلام ، إلا أنه لا يأخذ منهم مالا لأنه بمنزلة الجزية ، ولا جزية عليهم لأنه لا يجوز تأخير قتلهم بمال يؤخذ منهم لما يأتي إن شاء الله تعالى ، ولو أخذه لا يرده لعدم العصمة ، ولو غلبوا فقد صارت دارهم دار حرب وأموالهم غنيمة ، فكذا أهل الذمة لأنهم لما نقضوا العهد صاروا كغيرهم من أهل الحرب ، ويجوز أخذ المال منهم لأنه لا يجوز تركهم بالجزية ، بخلاف المرتدين وعبدة الأوثان من العرب كالمرتدين في الموادعة ، لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، وكذلك أهل البغي في الموادعة ، لكن إن أخذ منهم مالا يرده عليهم إذا وضعت الحرب أوزارها لأنهم مسلمون لو أصيب مالهم بالقتال يرد عليهم ، ويكره لأمير الجيش أو قائد من قواد المسلمين أن يقبل هدية أهل الحرب فيختص بها ، بل يجعلها فيئا للمسلمين لأنه إنما أهدي إليه بمنعة المسلمين لا بنفسه .

قال : ( ويكره بيع السلاح والكراع من أهل الحرب وتجهيزه إليهم قبل الموادعة وبعدها ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، ولما فيه من تقويتهم على المسلمين لأنه معصية ، وكذلك الحديد وكل ما هو أصل في آلات الحرب ، وهو القياس في الطعام والشراب ، إلا أنا جوزناه لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وكانوا حربا علينا ولأنا نحتاج إلى بعض ما في بلادهم من الأدوية ، فلو منعنا عنهم الميرة لمنعوها عنا ، ولا يكره إدخال ذلك على أهل الذمة لأنهم التحقوا بالمسلمين في الأحكام ، ولا يمكن الحربي أن ينقل إلى دار الحرب السلاح والكراع والحديد والدقيق إذا اشتراه في دار الإسلام مسلما كان أو كافرا ، ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء لأنه تناوله عقد الأمان ، فإن أسلم بعض عبيده منع من إدخاله دار الحرب لأن المسلم يمنع من ذلك .

ولا بأس بإدخال المصحف أرض الحرب لقراءة القرآن مع جيش عظيم أو تاجر دخل بأمان لأن الغالب السلامة ، ويكره ذلك مع سرية أو جريدة خيل يخاف عليهم الانهزام لأنه ربما وقع في أيدي أهل الحرب فيستخفون به وكتب الفقه بمنزلة المصحف .

التالي السابق


الخدمات العلمية