صفحة جزء
[ ص: 429 ] [ النظر إلى العورة ]

والنظر إلى العورة حرام إلا عند الضرورة كالطبيب والخاتن والخافضة والقابلة ، وقد بينا العورة في الصلاة وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا العورة ، وتنظر المرأة من المرأة والرجل إلى ما ينظر الرجل من الرجل ، وينظر من زوجته وأمته التي تحل له إلى جميع بدنها ، وينظر من ذوات محارمه وأمة الغير إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين والشعر ، ولا بأس بأن يمس ما يجوز النظر إليه إذا أمن الشهوة ، ولا ينظر إلى الحرة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخف الشهوة ، فإن خاف الشهوة لا يجوز إلا للحاكم والشاهد ، ولا يجوز أن يمس ذلك وإن أمن الشهوة ; والعبد مع سيدته كالأجنبي ، والفحل والخصي والمجبوب سواء ، ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو شيئا منه أو يعانقه ولا بأس بالمصافحة ، ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل .


[ ص: 429 ] قال : ( والنظر إلى العورة حرام إلا عند الضرورة كالطبيب والخاتن والخافضة والقابلة ، وقد بينا العورة في ) كتاب ( الصلاة ) والأصل في ذلك قوله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) وقوله تعالى : ( وقل للمؤمنات ) الآية ، معناه يسترونها من الانكشاف لئلا ينظر إليها الغير نقلا عن المفسرين ، وقال عليه الصلاة والسلام : " ملعون من نظر إلى سوءة أخيه " .

فأما حالة الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات ، ألا ترى أن الله أباح شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ومال الغير حالة المخمصة وما إذا غص ، وهذا لأن أحوال الضرورات مستثناة ، قال تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقال : ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) وفي اعتبار حالة الضرورة حرج وتكليف ما ليس في الوسع ، ولأن هذه الأفعال مأمور بها ، فعند بعضهم هي واجبة ، وعند البعض سنة مؤكدة ، ولا يمكن فعلها إلا بالنظر إلى محالها ، فكان الأمر بها أمرا بالنظر إلى محالها ويلزم منه الإباحة ضرورة .

وينبغي للطبيب أن يعلم امرأة مداواتها ، لأن نظر المرأة إلى المرأة أخف من نظر الرجل إليها لأنها أبعد من الفتنة ، فإذا لم يكن منه بد فليغض بصره ما استطاع تحرزا عن النظر بقدر الإمكان ، وكذلك تفعل المرأة عند النظر إلى الفرج عند الولادة وتعرف البكارة ، ألا يرى أنه يجوز النظر إليه لتحمل الشهادة على الزنا ولا ضرورة فهذا أولى ، والعورة في الركبة أخف فكاشفها ينكر عليه برفق ، ثم الفخذ وكاشفه يعنف على ذلك; ثم السوءة فيؤدب كاشفها .

[ ص: 430 ] قال : ( وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا العورة ) لأن المنهي عنه النظر إلى العورة دون غيرها وعليه الإجماع ، وقد قبل أبو هريرة سرة الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال : هذا موضع قبله رسول الله عليه الصلاة والسلام ولأن الرجال يمشون في الطرق بإزار في جميع الأزمان من غير نكير ، فدل على جواز النظر إلى الأبدان .

قال : ( وتنظر المرأة من المرأة والرجل إلى ما ينظر الرجل من الرجل ) أما المرأة إلى المرأة فلانعدام الشهوة وللضرورة في الحمامات وغيرها ، وأما نظرها إلى الرجل فلاستوائهما في إباحة النظر إلى ما ليس بعورة ، ولأن الرجال يمشون بين الناس بإزار واحد ، فإذا خافت الشهوة أو غلب على ظنها لا تنظر احترازا عن الفتنة ، وكل ما جاز النظر إليه جاز مسه لاستوائهما في الحكم إلا إذا خافت الشهوة .

قال : ( وينظر من زوجته وأمته التي تحل له إلى جميع بدنها ) وكذا يحل له مسها والاستمتاع بها في الفرج وما دونه ، قال تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون ) إلى قوله سبحانه : ( فإنهم غير ملومين ) وقال عليه الصلاة والسلام : " غض بصرك إلا عن زوجتك " ولا يحل له الاستمتاع بها في الدبر ولا في الفرج حالة الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام : " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا وصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " ونظره إلى فرجها ونظرها إلى فرجه مباح . وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النظر أبلغ في تحصيل اللذة ، وقيل الأولى أن لا ينظر لأنه يورث النسيان ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجردان تجرد العير " .

قال : ( وينظر من ذوات محارمه وأمة الغير إلى الوجه والرأس والصدر والساقين [ ص: 431 ] والعضدين والشعر ) والأصل فيه قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية ، والمراد موضع الزينة ، لأن النظر إلى نفس الثياب والحلي والكحل وأنواع الزينة حلال للأجانب والأقارب ، فكان المراد مواضع الزينة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه .

ومواضع الزينة ما ذكرنا ، فالرأس موضع الإكليل ، والشعر موضع العقاص ، والأذن موضع القرط ، والعنق موضع القلائد ، والصدر موضع الوشاح ، والعضدان موضع الدملج ، والذراع موضع السوار ، والساق موضع الخلخال . وعن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمتشط ، ويستوي في ذلك المحرمية بالنسب والرضاع والمصاهرة لأن الحرمة مؤبدة في الكل فيستوين في إباحة النظر والمس .

قال : ( ولا بأس بأن يمس ما يجوز النظر إليه إذا أمن الشهوة ) لأن المسافرة معهن حلال بالنص ويحتاج في السفر إلى مسهن في الإركاب والإنزال ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قدم من مغازيه قبل رأس فاطمة . وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قبل رأس عائشة ومحمد بن الحنفية كان يقبل رأس أمه ، ولأن المحرم لما كان لا يشتهي عادة حلت معه محل الرجال .

ولا ينبغي أن يفعل شيئا من ذلك إذا خاف الشهوة أو غلبت على ظنه ، بل ينبغي أن يغض بصره ، فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، قال عليه الصلاة والسلام : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ولا يجوز النظر من هؤلاء إلى ما بين السرة حتى يجاوز الركبة لأنه عورة ولا إلى الظهر والبطن ، لأن حكم الظهار إنما ثبت لتشبيهه بظهر الأم ، فلولا حرمة ظهرها لما ثبتت حرمة الزوجية كما إذا شبهها بيدها ورجلها ، وإذا ثبتت حرمة الظهر فالبطن أولى ، لأن الشهوة فيها أكثر فكانت أولى بالتحريم ، ولأن ذلك ليس موضع الزينة ، فإن سافر معهن فلا بأس أن يحملهن وينزلهن ، يأخذ بالبطن والظهر ، لأن اللمس من فوق الثياب لا يوجب الشهوة فصار كالنظر ، حتى لو كانت متجردة أو عليها ثياب رقيقة يجد حرارتها من فوقها لا يمسها تحرزا عن الوقوع في الفتنة; وأما أمة الغير فلأنها تحتاج إلى الخروج وقضاء الحوائج والأخذ والإعطاء فيقع النظر إليها ضرورة ومس بعض أعضائها كما في المحارم .

[ ص: 432 ] وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا رأى أمة متخمرة ألقى خمارها وقال لها : يا لكاع لا تتشبهين بالحرائر . ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها لأنه محل الشهوة ، ولأنه لما حرم من المحارم مع عدم الشهوة فيهن عادة فلأن يحرم من الإماء كان أولى ، وإنما يباح ذلك عند عدم الشهوة لما بينا ، إلا إذا أراد الشراء فإنه يباح له النظر مع الشهوة دون المس ، لأن المس بشهوة استمتاع بأمة الغير وأنه حرام ، أما النظر فليس باستمتاع ، وإنما حرم لإفضائه إلى الاستمتاع وهو الوطء . والمسافرة بأمة الغير قيل تحل كالمحارم وقيل لا وهو المختار ، لأن الشهوة إلى أمة الغير كثيرة ، ولا كذلك في المحارم ، ولأنه لا ضرورة إلى المسافرة والخلوة معها ، وفي المحارم ضرورة لما بينا ، وكذا يحل للأمة النظر من الأجنبي إلى جميع بدنه ومسه وغمزه ما خلا العورة بشرط عدم الشهوة ، لأن العادة أن جارية المرأة تخدم زوجها وتغمزه وتدهنه فدل على الجواز .

قال : ( ولا ينظر إلى الحرة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخف الشهوة ) وعن أبي حنيفة أنه زاد القدم ، لأن في ذلك ضرورة للأخذ والإعطاء ومعرفة وجهها عند المعاملة مع الأجانب لإقامة معاشها ومعادها لعدم من يقوم بأسباب معاشها .

والأصل فيه قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال عامة الصحابة : الكحل والخاتم ، والمراد موضعهما لما بينا ، وموضعهما الوجه واليد ، وأما القدم فروي أنه ليس بعورة مطلقا لأنها تحتاج إلى المشي فتبدو; ولأن الشهوة في الوجه واليد أكثر ، فلأن يحل النظر إلى القدم كان أولى; وفي رواية القدم عورة في حق النظر دون الصلاة .

قال : ( فإن خاف الشهوة لا يجوز إلا للحاكم والشاهد ) لما فيه من الضرورة إلى معرفتها لتحمل الشهادة والحكم عليها وكما يجوز له النظر إلى العورة لإقامة الشهادة على الزنا .

قال : ( ولا يجوز أن يمس ذلك وإن أمن الشهوة ) لأن المس أغلظ من النظر ، فإن الشهوة بالمس أكثر ، فإن كانت عجوزا لا تشتهى أو كان شيخا لا يشتهي فلا بأس بمصافحتها ، لما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يصافح العجائز ، وعبد الله بن الزبير استأجر عجوزا تمرضه فكانت تغمزه وتفلي رأسه .

[ ص: 433 ] والصغيرة التي لا تشتهى لا بأس بمسها والنظر إليها لعدم خوف الفتنة .

ومن أراد أن يتزوج امرأة يجوز له النظر إليها وإن خاف أن يشتهي لقوله عليه الصلاة والسلام للمغيرة وقد أراد أن يتزوج امرأة " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " .

قال : ( والعبد مع سيدته كالأجنبي ) لأن خوف الفتنة منه مثلها من الأجنبي ، وبل أكثر لكثرة الاجتماع ، والنصوص المحرمة مطلقة ، والمراد من قوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهن ) الإماء دون العبيد قاله الحسن وابن جبير .

قال : ( والفحل والخصي والمجبوب سواء ) لأن الآية تعم الكل ، والطفل الصغير مستثنى بالنص ، ولأن الخصي يجامع والمجبوب يساحق فلا تؤمن الفتنة كالفحل .

قال : ( ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو شيئا منه أو يعانقه ) وعن أبي يوسف لا بأس به ، وعن بعض المشايخ لا بأس به إذا قصد به الإكرام والمبرة ولم يخف الشهوة ، لما روي : " أنه عليه الصلاة والسلام عانق جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة وقبل بين عينيه وكان يوم فتح خيبر وقال : لا أدري بأي الأمرين أسر; بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " وجه الظاهر نهيه صلى الله عليه وسلم عن المكاغمة والمكامعة ، والأول التقبيل والثاني المعانقة ، وما رواه محمول على الابتداء قبل النهي .

قال : ( ولا بأس بالمصافحة ) فإنها سنة قديمة متوارثة بين المسلمين من لدن الصدر الأول إلى يومنا هذا .

قال : ( ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل ) لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا [ ص: 434 ] يقبلون أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن سفيان بن عيينة أنه قال : تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة ، فقام عبد الله بن المبارك وقبل رأسه ، وتقبيل الأرض بين يدي السلطان أو بعض أصحابه ليس بكفر لأنه تحية وليس بعبادة ، ومن أكره على أن يسجد للملك الأفضل أن لا يسجد لأنه كفر ، ولو سجد عند السلطان على وجه التحية لا يصير كافرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية